في عمر الـ22 عاما، وبين أحلام الشباب وطموحات المستقبل، اختار نور الدين الجماصي طريقا مختلفا، لم تكن نهايته شهادة جامعية أو وظيفة مرموقة، بل حكاية إنسانية تختلط فيها مشاعر الانتماء والفقد والصمود.
مستقبل واعد في أوروبا
كان نور الدين مهندسا في مجال التكنولوجيا الرقمية، وخريج جامعة بودابست للتكنولوجيا والاقتصاد في المجر، وحاصلا على منح أكاديمية متميزة، وكانت أمامه فرص لمستقبل مهني واعد في أوروبا، لكنه اتخذ قرارا غير مسار حياته.
العودة لغزة
مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، لم يستطع نور الدين أن يبقى بعيدا عن وطنه وأهله، ففي 8 أكتوبر من العام نفسه، عاد إلى غزة، تاركا خلفه حياة كان كثيرون يتمنونها، ومتمسكا برغبته في أن يكون حاضرا إلى جانب أبناء شعبه في واحدة من أصعب المراحل التي عاشها القطاع.
لم تكن عودة نور الدين مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت بداية رحلة استثنائية في ظروف قاسية، حاول خلالها تسخير علمه وخبرته الهندسية لخدمة مجتمعه ومساندة أبناء وطنه، وبينما كان بإمكانه مواصلة حياته الأكاديمية والمهنية بعيدا عن أهوال الحرب، اختار البقاء في المكان الذي ارتبط به وجدانيا، وسط تحديات يومية فرضتها الحرب على سكان غزة.

نور الدين الجماصي
تعرض منزله للاستهداف
الألم الأكبر في حكايته لم يكن ما واجهه في الميدان وحده، بل ما أصاب أسرته، فقد تعرض منزل العائلة للاستهداف، ما أدى إلى استشهاد والده ووالدته وإخوته وعدد كبير من أفراد أسرته، كانت خسارة ثقيلة لشاب في مقتبل العمر، فقد في لحظة واحدة أشخاصا يمثلون جذوره وذكرياته وسنده في الحياة.
ورغم الفاجعة، تروي سيرته أنه واصل أداء واجبه، متمسكا بموقفه حتى اللحظات الأخيرة، إلى أن سقط شهيدا بعد رحلة امتدت قرابة عامين في ظل الحرب.
رحل نور الدين الجماصي في ريعان شبابه، لكن حكايته بقيت شاهدة على أحلام أوقفتها الحرب، وعلى مستقبل كان يمكن أن يمتد سنوات طويلة، وبين شهادة جامعية لم تكن سوى بداية الطريق وأحلام لم تتح لها فرصة الاكتمال، تظل سيرته تذكيرا إنسانيا بما يخسره الشباب والعائلات في الحروب، وبالأثمان الباهظة التي يدفعها الإنسان حين تُنتزع منه الحياة قبل أن يحقق ما تمنى.
لم يعد نور الدين بين أهله، لكن ذكراه تظل حاضرة في حكاية شاب عاد إلى وطنه، حاملا علمه وأحلامه، ثم غادر الحياة تاركا وراءه أسئلة موجعة عن مستقبل جيل كامل حاصرته الحرب، وحرمت كثيرين من حقهم في الأمان والحياة وتحقيق الأحلام.