عاشت جماعة الإخوان الإرهابية، على مدى قرن كامل من الزمان، وهي تروّج لفكرة أنها جماعة دينية إصلاحية دعوية، تهدف إلى إصلاح الوطن. والحقيقة التي أثبتتها الجماعة بأفعالها ومواقفها أكدت أنها لا تمتّ إلى الدين بصلة، ولا تؤمن بفكرة الوطن.
منذ تأسيس هذه الجماعة الفاشية عام 1928، كان الولاء التنظيمي أحد أهم مرتكزات بنائها وهيكلها الداخلي، ولم يكن الانتماء إليها مجرد اقتناع بأفكار دينية، وإنما ارتبط بأهداف سياسية، ومنظومة تربوية وتنظيمية لتعزيز ارتباط الفرد بالجماعة وقيادتها، عبر نظام الأُسَر، والتدرج التنظيمي، والبيعة، والطاعة.
وضع مرشد الجماعة الأول، حسن البنا، في «رسالة التعاليم» عشرة أركان للبيعة، من أبرزها الطاعة والثقة والتجرد والتضحية، وعرّف الطاعة بأنها: «امتثال الأمر وإنفاذه توًّا في العسر واليسر والمنشط والمكره». وهنا تبرز الإشكالية الأساسية؛ إذ قد تتحول العلاقة من الانتماء الحر إلى الالتزام بقرارات القيادة، بما يضعف استقلالية الفرد وقدرته على النقد والمراجعة، وهذه هي أزمة الجماعة في كل عصر.
كشفت التجربة التاريخية للجماعة الفاشية عن تداعيات هذا البناء التنظيمي، بدايةً من نشأة النظام الخاص خلال أربعينيات القرن الماضي، وما ارتبط به من أحداث عنف وقتل وتدمير، وصولًا إلى الصراع بين المرشد حسن الهضيبي وعبد الرحمن السندي في بداية خمسينيات القرن الماضي، وهو ما أظهر خطورة وجود مراكز قوة وولاءات متنافسة داخل التنظيم الواحد. وقد أضعف ذلك البناء التنظيمي، خاصة بعد حل الجماعة عام 1954، باعتبارها حزبًا سياسيًا تنطبق عليه شروط حل الأحزاب نفسها!
وتكررت إشكالية تغليب القرار التنظيمي الصادر عن القيادة على الاجتهاد الفردي في محطات لاحقة من تاريخ الجماعة، أبرزها الخلاف حول تأسيس حزب الوسط عام 1996، والتباينات داخل مكتب الإرشاد عام 2009، ثم فصل عبد المنعم أبو الفتوح عام 2011، عقب إعلانه الترشح للرئاسة بالمخالفة لقرار الجماعة!
وتصاعدت أزمة التداخل بين الولاء للتنظيم والمسؤولية تجاه الدولة خلال تجربة الإخوان في السلطة عام 2012، مع تراجع الجماعة عن قرار عدم الترشح للرئاسة، وما أعقب ذلك من أزمات سياسية واستقطاب مجتمعي، وصولًا إلى أحداث يونيو ويوليو 2013، وثورة المصريين على هذه الجماعة.
أما المفارقة الأبرز، فتجلّت في الانقسامات الداخلية التي شهدتها الجماعة بعد عام 2013، وتصاعدت مع الصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول، وإعلان قيادات متنافسة عام 2023. فقد كشفت هذه التطورات أن التنظيم الذي جعل الطاعة ووحدة القيادة أساسًا لبنائه، لم يتمكن من منع تعدد مراكز الولاء أو حسم الصراع حول شرعية القيادة نفسها.
والدرس الكبير من هذه التجربة أن الطاعة قد تحقق الانضباط، لكنها لا تضمن وحدة التنظيم أو سلامة قراراته، خصوصًا عندما تغيب الشفافية والمحاسبة وحرية الاختلاف.
ويكمن الفارق بين الانتماء السياسي المشروع والولاء التنظيمي المغلق في قدرة الفرد على نقد قيادته ورفض قراراتها دون اتهامه بالخيانة أو ضعف الانتماء، وفي خضوع جميع التنظيمات للدستور والقانون.
لقد غاب دومًا عن فكر الإخوان أن الدولة الوطنية هي الإطار الجامع لجميع المواطنين، وليست مشروعًا خاصًا لجماعة أو حزب؛ فالأحزاب تتغير، والقيادات تتبدل، والمواقف تخضع للمراجعة، بينما تظل حقوق المواطنين والمصلحة الوطنية فوق أي ولاء تنظيمي ضيق.
هذه الجماعة كانت، وستظل، بعيدة عن الدين.. وبعيدة عن الوطن.
Sherifaref2020@gmail.com