كان زجاجًا مكسورًا فقط. هكذا بدا المشهد في البداية، واجهة متجر فخم، شظايا على الرصيف، باب لم يعد في مكانه، وشارع فرنسي بدا للحظة كأنه خرج من صورة أخرى لا نعرفها. ثم سألت نفسي، أهذه فرنسا؟ ليس لأن فرنسا لم تعرف الغضب من قبل، ولا لأن شوارعها لم تعرف الاحتجاج والعنف، ولكن لأن الصورة نفسها كانت غريبة. فنحن لا نرى فرنسا كما هي فقط، وإنما كما أحببنا أن نراها. نعرفها من الكتب واللوحات والسينما، ونعرف باريس من فيكتور هوجو، الذي جعل المدينة أكثر من حجارة وشوارع، ومنحها ذاكرة وروحًا وحياة. ونعرفها من أفلام جعلت المقهى حكاية، والشارع موعدًا، والنافذة مشهدًا. لذلك، حين تتحطم واجهة في باريس، لا يبدو الأمر مجرد حادث عابر، بل اصطدامًا مفاجئًا بين فرنسا التي أمام أعيننا وفرنسا التي استقرت طويلًا في خيالنا.
وهنا يصبح السؤال أكبر من متجر، ما الذي يجعل الإنسان يختار الحجر؟ لماذا يقف أمام شيء بناه غيره بعناية، ثم تكون أول رغبته أن يحطمه؟ ربما لأن الإنسان كائن غريب، يبحث عن الجمال، ثم لا يقاوم أحيانًا أن يختبره بطريقته الخاصة. وقد يمشي أمام البحر مبهورًا باتساعه، ثم لا يقاوم أن يلقي فيه حجرًا. وراء واجهة واحدة حياة كاملة لا تظهر في الصورة، صاحب مكان أمضى سنوات في بنائه، وعامل فتح بابه كل صباح، وموظف وقف خلفه ساعات، وتفاصيل صغيرة لا يراها أحد. أشياء كثيرة تتراكم في صمت حتى تصبح جزءًا من المكان، ثم تأتي لحظة واحدة فتبدل صورته.
ولعلنا لا ننتبه إلى الأشياء الجميلة وهي في مكانها. لا نلتفت إلى النافذة ما دامت سليمة، ولا إلى الباب ما دام يفتح، ولا إلى الشارع ما دام يمضي هادئًا. نعتاد ما حولنا حتى يصبح جزءًا من الخلفية، فلا نراه حقًا إلا حين يختل المشهد. بعدها يعود الشارع إلى إيقاعه، وتمضي الحياة كأن شيئًا لم يكن، لكن العين تكون قد التقطت صورة لا تشبه ما اعتادت عليه.
وقد تنسى الذاكرة تفاصيل كثيرة، لكنها تحتفظ أحيانًا بلحظة واحدة لأنها كسرت رتابة المألوف. وربما لهذا تبقى بعض الصور في داخلنا، لا لأنها تختصر المكان، وإنما لأنها تجعلنا نراه للحظة بعين مختلفة.
ولهذا لا أظن أن المشهد يقول كل شيء عن فرنسا، كما لا تستطيع واجهة واحدة أن تختصر باريس. لكنه يكشف شيئًا عن الإنسان نفسه، عن علاقته بما حوله، وعن قدرته الغريبة على الاعتياد حتى يصبح الجمال عاديًا في عينيه. ومن هنا يعود السؤال، لا عن فرنسا وحدها، وإنما عنا نحن، ما الذي يجعل الإنسان يقف أمام شيء جميل، ثم يختار الحجر؟ وربما السؤال الأصعب، هل نعرف قيمة الأشياء الجميلة وهي أمامنا، أم أننا لا نراها حقًا إلا عندما يتغير شكلها؟