من أجمل الأشياء التي تعلمتها من مصر القديمة أن الإنسان لا ينبغي له أن يتوقف عن التعلم. كلما اقتربت من عالم المصريين القدماء، شعرت أنني لا أقترب من ماضٍ بعيد بقدر ما أقترب من إنسان يشبهنا أكثر مما نتخيل. كان المصري القديم يكتب، ويقرأ، ويحاول أن يفهم العالم من حوله، ويترك لنا من خلال نصوصه وصوره وأشيائه اليومية أسئلة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
وربما بدأت علاقتي بهذا العالم قبل أن أعرف أنني سأقضي جزءًا كبيرًا من حياتي في محاولة فهمه. بدأت في منديس، في طفولتي، حين كان المكان بالنسبة إليّ عالمًا مفتوحًا لا أعرف حدوده.
أتذكر منديس كما أتذكر بعض مشاهد الطفولة التي لا تغادرنا، حتى لو مرت عليها سنوات طويلة. صباحات المدينة الصغيرة، وضوء الشمس وهو ينساب على الأرض، ورائحة التراب بعد الماء، وأصوات الناس من حولي، وطريق أعرفه بقدمي قبل أن أعرفه باسمه. كنت أمشي وأتطلع إلى ما حولي بعين طفل لا يعرف كثيرًا، لكنه يريد أن يعرف كل شيء.
كان هناك دائمًا شيء يشدني إلى المكان القديم.
حجر مختلف عن بقية الحجارة.
بقايا مبنى لا أفهم قصته.
قطعة صغيرة من الفخار.
تراب يبدو عاديًا للكبار، لكنه كان بالنسبة إليّ يخفي شيئًا.
كنت أنظر إلى هذه الأشياء وأسأل: من كان هنا؟ من لمس هذا الحجر؟ من عاش في هذا المكان؟ ماذا حدث هنا؟ وكيف اختفى كل هذا وبقيت منه أشياء قليلة؟
لم تكن لديّ آنذاك الكلمات التي أملكها اليوم، ولم أكن أعرف شيئًا عن المناهج الأثرية أو قراءة النقوش أو تاريخ الحضارة المصرية. كان لدي فقط فضول الطفل، وربما كان ذلك الفضول هو أول درس حقيقي في حياتي.
كنت أريد أن أفتح الأرض لأرى ما تخفيه.
وكنت أريد أن أعرف الحكاية التي لا تقولها الأشياء بصوت واضح.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أعود بذاكرتي إلى ذلك الطفل فأراه أقرب إليّ مما كنت أتصور. لم يكن يعرف أنه بدأ رحلة طويلة. لم يكن يعرف أن تلك الأسئلة الصغيرة ستقوده يومًا إلى الكتب والمتاحف والمواقع الأثرية والبرديات والنقوش، وأنه سيقضي سنوات يحاول أن يفهم ما كان يراه بعين الدهشة.
لكنني أعتقد أن شيئًا واحدًا لم يتغير.
الرغبة في المعرفة.
كلما تقدمت في حياتي، أدركت أن الإنسان قد يغير مهنته، ومدنه، وكتبه، وأدواته، لكنه إذا احتفظ بالطفل الذي يسأل داخله، فإنه لا يتوقف عن التعلم.
ومن أكثر الصور التي أحبها في الحضارة المصرية القديمة صورة الكاتب. رجل يجلس في هدوء، أمامه البردية، وفي يده أدواته، وقد اختار أن يتعامل مع العالم بالكلمة والمعرفة. لم تكن الكتابة بالنسبة إليه مجرد وظيفة، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية للدولة والمجتمع والثقافة. ومن خلال الكاتب نستطيع أن نرى مجتمعًا أدرك مبكرًا قيمة القراءة والكتابة والحساب والتعليم.
أتذكر صباحًا وقفت فيه في المتحف أمام تمثال للكاتب المصري القديم. كان المتحف هادئًا، والضوء يدخل من بعيد ويسقط على وجه التمثال، فيمنحه حياة غريبة. وقفت أمامه طويلًا.
نظرت إلى عينيه الواسعتين، إلى جلسته، إلى البردية أمامه، وإلى يديه اللتين تبدوان كأنهما ستتحركان في أي لحظة.
وفجأة وجدتني أفكر في منديس.
في الطفل الذي كان يقف أمام أشياء لا يعرف أسماءها، وفي الرجل الذي يقف الآن أمام تمثال عمره آلاف السنين ويحاول أن يفهم صاحبه.
شعرت أن المسافة بين الطفل والكاتب المصري القديم ليست بعيدة كما تبدو.
الطفل كان يسأل عن الحجر.
والكاتب كان يكتب على البردية.
وأنا، بعد كل هذه السنوات، أحاول أن أقرأ الحجر والبردية معًا.
في تلك اللحظة شعرت بشيء من القرب الغريب بيني وبين ذلك الكاتب. هو أمام برديته، وأنا أمام كتبي وأوراقي. هو كان يتعلم ليكتب، وأنا تعلمت لكي أقرأ ما كتب، ثم لأكتب عنه، ثم لأحاول أن أنقل بعض ما تعلمته إلى الآخرين.
وبيننا آلاف السنين، لكن هناك شيئًا ظل واحدًا: التلميذ.
أتذكر سنواتي بين الآثار والكتب والمتاحف، والمرات الأولى التي حاولت فيها أن أفهم نصًا أو مشهدًا أو قطعة أثرية، والليالي التي قضيتها في القراءة والبحث والكتابة، واللحظات التي اكتشفت فيها أن المعلومة التي كنت أظنها نهاية البحث ليست إلا بداية لسؤال جديد.
ربما لهذا أشعر أن بيني وبين ذلك الكاتب علاقة تتجاوز الإعجاب بتمثال جميل. هو كان يكتب ما عرفه في زمنه، وأنا أحاول اليوم أن أقرأ ما تركه وأن أضيف إليه فهمًا جديدًا. وبين الكاتب القديم والباحث المعاصر مسافة زمنية هائلة، لكنها تختصر أحيانًا في لحظة واحدة أقف فيها أمامه وأشعر أنني ما زلت ذلك الطفل القادم من منديس، الذي يريد أن يعرف ماذا تخفي الأشياء وراء ظاهرها.
وأحيانًا أتساءل: هل كنت سأختار الطريق نفسه لو لم ألتقِ بهذه الحضارة في وقت مبكر من حياتي؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أن مصر القديمة لم تكن بالنسبة إليّ مجرد تخصص دراسي أو مهنة اخترتها. أصبحت مع الوقت طريقة في النظر إلى الإنسان والزمن والحياة. علمتني أن وراء كل حجر سؤالًا، ووراء كل نقش حكاية، ووراء كل إجابة مساحة أخرى لم نصل إليها بعد.
كلما تقدمت في العمر، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن الإنسان الحقيقي ليس هو الذي يقول: لقد عرفت، وإنما الذي يستطيع أن يقول: ما زال أمامي الكثير لأتعلم.
أحب أن أظل تلميذًا حتى وأنا أعلّم الآخرين.
هذه ليست مفارقة بالنسبة إليّ. على العكس، أعتقد أن أفضل من يعلّم هو الذي يعرف أنه ما زال يتعلم. عندما يظن الإنسان أنه وصل إلى النهاية، يبدأ عقله في الانغلاق. أما عندما يشعر أنه في بداية الطريق، تظل أمامه مساحة للدهشة والاكتشاف.
ولعل أجمل ما في أن تظل تلميذًا أنك لا تفقد قدرتك على النظر لأول مرة.
أحيانًا أقرأ نصًا مصريًا قديمًا أعرفه منذ سنوات، ثم أعود إليه في وقت آخر فأكتشف فيه شيئًا لم أنتبه إليه من قبل. وقد تكون الكلمة نفسها، أو المشهد نفسه، أو الشخصية نفسها، لكن عيني تغيرتا.
وهذه إحدى متع القراءة.
فالكتاب لا يتغير بالضرورة، لكن القارئ يتغير. ما نقرأه في العشرين ليس هو ما نقرأه في الأربعين، وما نراه في الخمسين قد لا نراه بالطريقة نفسها بعد سنوات. نحن ندخل الكتب بأعمارنا وتجاربنا وأسئلتنا، ولذلك تعود إلينا الكتب القديمة بوجوه جديدة.
لهذا أحب القراءة لا لكي أقول إنني قرأت، وإنما لأنني أحب تلك اللحظة التي أجد فيها فكرة لم تكن موجودة في رأسي من قبل. فكرة صغيرة أحيانًا تكفي لكي تغيّر طريقة النظر إلى موضوع كامل.
وأحب الكتابة للسبب نفسه. الكتابة بالنسبة إليّ ليست فقط وسيلة للتعبير عن الأفكار، وإنما وسيلة لاكتشافها. أحيانًا لا أعرف تمامًا ماذا أفكر حتى أبدأ في الكتابة. أضع جملة، ثم أخرى، ثم أكتشف أنني كنت أسير نحو سؤال لم أكن أعرف أنه موجود.
وهنا يصبح القلم شريكًا في التفكير.
وربما لهذا كان الكاتب المصري القديم قريبًا مني إلى هذا الحد. هو أيضًا كان يجلس ويكتب. لا أعرف إن كان يشعر بما أشعر به الآن، لكنني أحب أن أتخيله وهو يضع علامة على البردية، ثم يتوقف قليلًا، ثم يعود إلى الكتابة.
هناك شيء جميل في الإنسان الذي يجلس ليتعلم.
ليس فيه استعراض ولا ضجيج.
فقط إنسان وكتاب وقلم وسؤال.
وأعتقد أننا نفتقد هذه اللحظة كثيرًا في عالمنا الحالي. أصبحنا نعيش بسرعة شديدة. نريد الإجابة قبل أن نكمل السؤال، ونريد المعلومة قبل أن نفكر فيها، وننتقل من خبر إلى خبر ومن صورة إلى صورة ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبح الهدوء نفسه شيئًا نادرًا.
أما التعلم الحقيقي فيحتاج إلى بعض البطء.
يحتاج إلى أن تقرأ صفحة وتتوقف عندها.
أن تختلف مع فكرة وتعود إليها.
أن تغير رأيك عندما تجد ما يستحق أن يغيره.
أن تقول «لا أعرف» من دون أن تشعر أن هذه الجملة تقلل منك.
بل ربما تكون «لا أعرف» واحدة من أجمل الجمل التي يمكن أن يقولها الإنسان؛ لأنها تفتح الباب أمام المعرفة.
وقد علمتني الآثار هذا المعنى بطريقة عميقة. الأثر لا يعطيك نفسه بسهولة. نحن نسأله، ونقارن، ونبحث، ونراجع، ونختلف أحيانًا، ثم نعود مرة أخرى إلى الأدلة. ولهذا أحب علم الآثار. لأنه لا يسمح لك بأن تكتفي بالقصة الجميلة إذا لم تسندها الأدلة.
وفي الوقت نفسه، لا يجعل الحياة مجرد مجموعة من المعلومات الجافة. خلف كل قطعة أثرية إنسان. شخص عاش وفرح وخاف وحلم وعمل وأحب وربما فقد من يحب. وحين نفهم ذلك، يتحول الماضي من تواريخ وأسماء إلى حياة.
ربما لهذا أشعر أن عملي مع الآثار علّمني شيئًا عن نفسي بقدر ما علّمني عن المصريين القدماء.
علّمني الصبر.
وعلّمني ألا أتعجل الحكم.
وعلّمني أن بعض الأسئلة تحتاج إلى سنوات قبل أن نجد لها إجابة، وبعضها قد لا نجد له إجابة كاملة أبدًا.
وهذا ليس نقصًا.
فالحياة نفسها ليست كتابًا مغلقًا.
وحين أنظر إلى مسيرتي، من ذلك الطفل الذي كان يمشي في منديس ويتوقف أمام حجر أو بقايا مكان لا يعرف قصته، إلى الطالب الذي بدأ يقرأ ويدرس، ثم إلى الباحث الذي قضى سنوات بين الآثار والكتب، ثم إلى الكاتب والأستاذ الذي يحاول أن يشارك الآخرين ما تعلمه، أكتشف أنني لم أغادر ذلك الطفل تمامًا.
وربما كان أجمل ما حدث أنني لم أفقده.
فلو فقدت ذلك الطفل الذي يسأل، لتحولت المعرفة إلى وظيفة، وتحولت الآثار إلى مجرد موضوع، وتحولت الكتابة إلى عمل يومي. لكن بقاء الدهشة هو الذي جعل الطريق يستمر.
ولهذا أصبحت أرى التعلم باعتباره متعة، وليس عبئًا.
أن تقرأ التاريخ لأنك تحب أن تعرف كيف عاش الذين سبقونا.
أن تقرأ الأدب لكي تدخل عوالم أخرى.
أن تقرأ الفلسفة لأنك تريد أن تفهم الإنسان.
أن تدخل متحفًا فتقف أمام شيء لا تعرف عنه كل شيء، ثم تخرج وفي رأسك سؤال جديد.
وأن تعود، بعد سنوات طويلة، إلى مكان من طفولتك مثل منديس، فتكتشف أنك لم تكن تعرف وقتها أنك كنت تقف في بداية حكايتك.
هذه الأشياء الصغيرة هي التي تجعل الحياة أكثر اتساعًا.
وقد يكون أجمل ما في المعرفة أنها لا تسلبنا الدهشة، وإنما تزيدها.
في البداية نظن أننا نتعلم لكي نعرف العالم. ثم نكتشف، بعد سنوات، أننا كلما عرفنا أكثر أدركنا اتساع ما لا نعرفه.
وهنا يصبح الإنسان أكثر تواضعًا.
ليس التواضع أن تقلل من نفسك، وإنما أن تعرف حجمك الحقيقي أمام اتساع العالم والزمن.
نحن جيل عابر كما كانت أجيال كثيرة قبلنا. الذين بنوا المعابد عاشوا ورحلوا. الذين كتبوا البرديات عاشوا ورحلوا. الذين وقفوا يومًا أمام النيل يتأملون مياهه لم يبق منهم أحد، لكن الحياة استمرت، وجاء آخرون ليطرحوا أسئلتهم الخاصة.
ونحن الآن جزء من هذه الرحلة الطويلة.
لهذا لا أريد أن أصل إلى لحظة أقول فيها: انتهيت من التعلم.
لا أريد أن يصبح العمر مجموعة من الإجابات المحفوظة.
أريد أن يظل هناك كتاب أنتظر قراءته، وموضوع جديد أبحث فيه، ومتحف أعود إليه، ومكان من طفولتي أعود إليه بعين مختلفة، وفكرة تجعلني أعيد النظر فيما كنت أعتقد أنني أعرفه.
أريد أن أظل قادرًا على الدهشة.
وفي كل مرة أتذكر فيها منديس، ثم أتذكر الكاتب المصري القديم في المتحف، أشعر أن هناك خيطًا واحدًا يربط المشهدين.
هناك طفل يقف أمام عالم لا يفهمه تمامًا، فيسأل.
وهناك كاتب مصري قديم يجلس أمام برديته، فيكتب.
وهناك باحث يقف بعد آلاف السنين أمام تمثاله، فيقرأ ويحاول أن يفهم.
وبين هؤلاء جميعًا شيء واحد: الإنسان الذي لا يكف عن السؤال.
وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي أخذته من هذه الرحلة كلها.
أن المعرفة لا تعني أن نصل إلى النهاية، وإنما أن نظل قادرين على البدء من جديد.
أن نفتح كتابًا جديدًا.
أن نعيد قراءة نص قديم.
أن ننظر إلى قطعة أثرية رأيناها عشرات المرات وكأننا نراها للمرة الأولى.
أن نعود إلى مكان من طفولتنا، فنكتشف أننا لم نكن نعرف قيمته وقتها.
أن نكتشف أن الطفل الذي كنا عليه كان يعرف شيئًا مهمًا بالفطرة: أن العالم أكبر من أن نكتفي بالنظر إليه، وأن علينا أن نسأل.
لهذا أريد أن أبقى تلميذًا.
لا لأنني لم أصل، بل لأنني لا أريد أن أفقد متعة الطريق.
أريد أن أظل ذلك الطفل القادم من منديس، ولكن بأدوات رجل أمضى عمره في القراءة والبحث والكتابة والتعليم.
الطفل الذي كان ينظر بدهشة إلى ما حوله، والباحث الذي يبحث عن تفسير، والكاتب الذي يحاول أن يصوغ ما فهمه، كلها صور لشخص واحد لم يتوقف عن التعلم.
وحين أعود بذاكرتي إلى منديس، لا أراها الآن مجرد مكان من الماضي. أراها بداية السؤال.
وأتخيل ذلك الطفل يمشي في طريقه القديم، يتوقف أمام حجر، ينحني ليتأمله، ثم يرفع رأسه وفي عينيه السؤال نفسه الذي ما زال يرافقني حتى اليوم.
ماذا وراء هذا؟
ربما لم أجد الإجابة كاملة حتى الآن.
وربما لا أريد أن أجدها كاملة.
فربما تكون قيمة الرحلة كلها في أن يظل السؤال حيًا.
وهنا، كلما عدت بذاكرتي إلى الكاتب المصري القديم، أراه كما رأيته أول مرة: جالسًا في هدوء، أمامه البردية، وعيناه مفتوحتان على العالم.
وأشعر أنني ما زلت أجلس إلى جواره.
هو يكتب.
وأنا أتعلم.
وبيننا آلاف السنين، وبين طفولتي في منديس وحاضري سنوات طويلة، لكن الدرس ما زال جديدًا.
أن تظل تلميذًا، ربما يكون أجمل شكل من أشكال الحياة.