في وقت تخوض فيه الدولة معركة شريفة لحماية عقول أبنائها وبناء الإنسان، تقف وزارة الداخلية بالمرصاد لاستراتيجيات تجار السموم الداعية لهدم الشباب والمراهقين، فلم تعد مواجهة المخدرات مجرد حملات تقليدية، بل تحولت إلى استراتيجية أمنية متكاملة تضرب جلب المادة المخدرة في منبعها، وتتصدى في الوقت ذاته لـ "سماسرة الموت" أو ما يُعرف بـ "الديلر" في الشوارع ومحيط المدارس والجامعات.
وحول أبعاد هذه المواجهة، والمخاطر الكيميائية المستحدثة التي تهدد أمن المجتمع وزيادة المعدلات الكريمة، التقت "اليوم السابع" باللواء دكتور علاء عبد المجيد، الخبير الأمني، ليفتح معنا ملف المواجهات الأمنية الحالية، ويشرح أساليب المروجين واستهدافهم للشباب، وكيف تحاصر أجهزة الأمن محاولات الثراء السريع على حساب صحة وأرواح أبنائنا.
إلى نص الحوار:
كيف تقيمون جهود وزارة الداخلية في الآونة الأخيرة لمواجهة تجارة المواد المخدرة؟
وزارة الداخلية تعمل وفق استراتيجية أمنية قائمة على محورين رئيسيين؛ الأول يعتمد على الضربات المسبقة والاستباقية لكبار التجار والمهربين، من خلال تجفيف منابع الجلب والتهريب عبر المنافذ والحدود وضبط الشحنات الضخمة قبل وصولها للداخل. أما المحور الثاني، فيركز على المتابعة الميدانية والضبط اليومي لصغار الموزعين والمروجين، أو ما يُعرف شعبيًا بـ "الديلر"، خاصة أولئك الذين يحاولون الاتجار والانتشار بمحيط المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية لحماية الطلاب من هذا الخطر الداهش.
كم عدد المقبوض عليهم في الحملات الأمنية الأخيرة بمحيط الجامعات والمدارس والمعاهد؟
وزارة الداخلية بذلت جهودا رائعة، نجحت في ضبط 135 قضية متنوعة شملت تشكيلات وشبكات ترويجية متعددة، وأسفرت القضايا عن إلقاء القبض على 153 متهماً من أخطر العناصر الإجرامية والمروجين المعروفين بنشاطهم الإجرامي في محيط أماكن تجمع الطلاب.
ولم تقتصر الضربات على الضبطيات الفردية، بل امتدت لتسفر عن التحفظ على كميات ضخمة من المواد المخدرة المتنوعة بلغت في مجملها أكثر من 350 كيلو جرام.
يلاحظ في الفترة الأخيرة خطورة شائعة حول ما يُخلط بتلك المواد من مركبات كيميائية، ما أبعاد تلك الخطورة؟
هذه هي النقطة الأشد خطورة؛ فـ "الديلر" لا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم في حق المتعاطي، يلجأ هؤلاء المروجون إلى خلط المواد المخدرة بمركبات وسوائل كيميائية عالية السمية لمضاعفة حجم المادة وزيادة أرباحهم المالية، دون أدنى اعتبار للكوارث الصحية التي تسببها. هذا الخلط العشوائي ينتج عنه مواد مستحدثة شديدة التأثير على الجهاز العصبي، وتُظهر المتعاطين في الشوارع بحركات مريبة وفاقدي التوازن بشكل تام، فيما يشبه سلوك "الزومبي"، وهو ما رُصد مؤخرًا ويمثل خطرًا داهمًا على السلامة العامة.
لماذا يركز المروجون جهودهم الخبيثة على طلاب المدارس والجامعات تحديدًا؟
يستهدف "الديلر" صغار السن والشباب لنقص خبرتهم الحياتية وقلة وعيهم بتبعات التجربة، يسعى المروج لإغواء المراهق بدافع الفضول أو الرغبة في خوض تجربة جديدة، ودون أن يدرك الشاب، قد يتحول إلى مدمن كلي من الجرعة الأولى، خاصة مع انتشار أنواع مستحدثة شديدة الفاعلية والإدمانية.
كما أن بؤرة الخطر تتسع حين يقع الشاب في الفخ، فيبدأ بنقل العدوى السلوكية لأصدقائه والمحيطين به لدفعهم لتجربة السموم وتوسيع دائرته الإدمانية.
هل ترى رابطًا مباشرًا بين انتشار هذه النوعيات من المخدرات وظهور جرائم غريبة على مجتمعنا؟
بالتأكيد، هناك علاقة طردية ومباشرة بين تعاطي هذه السموم وارتفاع معدلات الجريمة؛ فهذه المواد تغيب العقل تمامًا وتدمر مراكز السيطرة النفسية والإنفعالية لدى الشخص.
نرى اليوم جرائم غير مألوفة، مثل تعدي الأبناء على والديهم بالضرب أو التهديد، أو ارتكاب جرائم قتل ضد أطفال، أو السرقة والإكراه للحصول على أي مبالغ مالية لشراء الجرعة التالية، فالمتعاطي عندما يقع تحت تأثير الانسحاب أو الحاجة للمادة المخدرة يفقد إنسانيته تمامًا.
كيف تتعامل الأجهزة الأمنية مع "الديلر" غير المسجل جنائيًا والذي يحاول التخفي عن الأنظار؟
كثير من عناصر "الديلر" قد لا يكونون مسجلين خطرًا في الأرشيف الجنائي قبلاً، حيث يدفعهم الطمع ورغبة الثراء السريع للاندماج في هذا عالم الإجرام المظلم، لكن أجهزة وزارة الداخلية، عبر قطاع مكافحة المخدرات والأمن العام، تطبق تقنيات تحرٍّ وتتبع حديثة ومبتكرة، والحملات الأمنية مستمرة على مدار الساعة في كلاً من شوارع ومحيط المؤسسات التعليمية بجميع المحافظات، ولا مفر لأي مروج من القبض عليه وتقديمه للعدالة، فالقانون حاسم والدولة لن تتهاون في حماية عقول شبابها.