- محمود حماد: غربلت منزلى بالكامل.. ورفعت ما يقارب 600 طن من الردم حتى أعثر على أبنائي
- متحدث الدفاع المدني: نحتاج إلى معدات ثقيلة لرفع الأنقاض واستخراج الشهداء
- فقدت عائلتى بالكامل تحت الركام..ولم أفقد الأمل فى الوصول إليهم
- الاحتلال يسقط أكثر من 223، 000 طن من المتفجرات على رؤوس المدنيين
- مدير صحة غزة: القطاع أصبح بيئة لقتل المرضى
- كل ما وجدته من زوجتى وأبنائى لم يتجاوز ستة كيلوجرامات
- متحدث اليونيسف: عدد الأطفال الذين استشهدوا مفجع وعبثي
- تمكنت من انتشال آثار ما تبقى من زوجتى وأبنائي
لم يكن يتخيل المواطن الفلسطيني محمود إسماعيل حماد، المعروف بـ"أبو إسماعيل"، أن يتحول بيته الذي كان يحتضن أحلام أسرته وذكريات أطفاله الستة إلى كومة من الركام، وتكون لحظة القصف هي اللحظة التي يفقد فيها كل من أحب، بينما يخرج هو من بين الأنقاض يحمل جراح جسده ووجع فقدان عائلته.

أولاد محمود إسماعيل الشهداء
فقدان الأسرة بالكامل
في غزة التي شهدت دمارا واسعا ومعاناة إنسانية قاسية، يعيش محمود قصة تختصر حجم الألم الذي خلفته الحرب، بعدما فقد زوجته وأبناءه الستة وأفرادا آخرين من عائلته، ولم يبق له سوى رحلة طويلة وشاقة للبحث عن رفاتهم وانتشال ما تبقى منهم من تحت أنقاض منزل دُمر بالكامل.
وأعلنت وزارة الصحة بغزة في 31 يوليو الماضي، أن هناك 2276 أسرة أُبيدت بالكامل ومسحت من السجل المدني بواقع 8,858 فردا، و2348 أسرة تعرضت لمجازر وبقي منها ناج واحد بواقع 8,340 مواطنا، و 4903 أسرة تعرضت لمجازر وبقي منها أكثر من ناج بواقع 13,607 فلسطينيا.
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
إصابة مستمرة بدون علاج
يروي محمود إسماعيل حماد مأساته قائلا في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن الجميع يعلم ما حدث في غزة، حيث تعرضت أنا وزوجتي وأبنائي الستة لقصف أدى إلى تدمير منزلي بالكامل في 13 ديسمبر 2023، وفي تلك اللحظة نجوت أنا وحدي، بينما استشهدت زوجتي وجميع أبنائي، حيث خرجت من تحت الأنقاض وأنا مصاب إصابة خطيرة، ومنذ يوم ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة لم أتلق العلاج الذي كنت أحتاجه، كنت أحمل إصابتي الجسدية، وفي الوقت نفسه أحمل صدمة فقدان عائلتي بالكامل".
جرائم الاحتلال داخل غزة
نقص المستلزمات الطبية
ويؤكد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، أن العجز الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية أدى إلى وفاة مواطنين، مع تسجيل وفيات بشكل دوري نتيجة نقص هذه المواد، مشيرا إلى أن هناك عجز شديد في الأدوية والأجهزة الخاصة بالتصوير الإشعاعي والرنين المغناطيسي.
ويضيف، أن مستلزمات غسيل الكلى وأدوية السرطان تكاد تكون معدومة، إلى جانب نقص حاد في مستلزمات الفحوصات، ما يؤثر على عمليات التشخيص، وهناك بيئة لقتل المرضى وليس لعلاجهم، وهذا ما يريده الاحتلال.
ويوضح أن الاحتلال يمنع إدخال المواد المنقذة للحياة، بينما يموت الأطفال بصمت بسبب الجوع ونقص الدواء، لافتا إلى أن إسرائيل تسمح فقط بخروج 25 مريضا من أصل 20 ألفا يحملون تحويلات طبية ويحتاجون للعلاج خارج غزة.
لم تتوقف مأساة محمود عند لحظة القصف، فبعد استشهاد زوجته وأبنائه، فقد أيضا شقيقه وزوجته وجميع أبنائه، حيث يقول: "بعد عام تقريبا من إصابتي واستشهاد زوجتي وأبنائي وأخي وزوجته وأبنائه، تم حذفهم من السجل المدني، لكنهم ظلوا في قلبي وفي ذاكرتي، ولم أستطع أن أتركهم تحت الركام".
عدد الشهداء والمصابين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة
تعمد استهداف الأطفال
وقال المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، جيمس إلدر، خلال بيان للمنظمة في 19 يونيو، إن عدد الأطفال الذين استشهدوا مفجع وعبثي، ويقوض مصداقية الحديث عن وجود هدنة أو بيئة آمنة داخل القطاع، موضحا أن العالم يسمع منذ أشهر عن وقف لإطلاق النار في غزة، إلا أن الواقع على الأرض يكشف صورة مغايرة تماما، حيث يواصل الأطفال الفلسطينيون دفع الثمن من حياتهم وأمنهم ومستقبلهم.
وأضاف أن طفل فلسطيني واحد على الأقل يرتقي يوميا في المتوسط، لافتا إلى أن الأطفال الذين استشهدوا لم يكونوا في ساحات مواجهة أو مناطق اشتباك، بل استهدفتهم إسرائيل داخل منازلهم ومدارسهم وأماكن لعبهم، أو أثناء ممارستهم أنشطة حياتية عادية، والعديد منهم قتل بفعل القصف المباشر أو نيران قوات الجيش أو هجمات الطائرات المسيرة.
الأطفال الضحايا في غزة
عدم الاستسلام رغم الفقد
كانت عملية انتشال الجثامين في غزة مهمة تفوق قدرة الأفراد، خاصة مع حجم الدمار ونقص المعدات الثقيلة، ويوضح محمود: "حاولت استخراج عائلتي من تحت الأنقاض، لكن لم تكن هناك أدوات أو آليات كبيرة تستطيع رفع أسقف المنزل الضخمة، فالعمارة كانت ستة طوابق، وما خلفه القصف كان ما لا يقل عن 600 طن من الطوب والحديد والخرسانة والرمال والردم".
ورغم إصابته الشديدة، لم يستسلم محمود أمام حجم المأساة، فقرر أن يبدأ رحلة البحث عن رفات أسرته بما توفر لديه من أدوات بسيطة، قائلا: "لم أعجز، استعنت بالمطرقة والمنجل وبعض الأدوات البدائية، وتمكنت من استخراج أخي وزوجته وأبنائه، وكانت من أصعب اللحظات التي مرت علي، فقد كنت أرى الحيوانات والكلاب والقطط والجرذان تصل إلى رفاتهم بسبب صعوبة الوصول إليهم".
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
إحصائيات مفزعة
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة خلال إحصائيات له في 2 يوليو، أن الحرب الإسرائيلية أدت إلى التهجير القسري، والتدمير الممنهج طال أكثر من 90% من مقدرات القطاع، في ظل شراكة ورعاية كاملة من دول متعددة، وصمت مطبق من قوى الظلم العالمي.
وأشار إلى أن الاحتلال أسقط أكثر من 223,000 طن من المتفجرات على رؤوس المدنيين، ليخلف وراءه حصيلة مفجعة بلغت أكثر من 73,066 شهيدا وصلوا إلى المستشفيات، و9,500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض وفي الطرقات ويمنع الطواقم الإنسانية من الوصول إليها، وكان الأطفال والنساء الهدف الأبرز لهذه المذبحة، حيث استشهد أكثر من 21,500 طفل شهيد، و12,500 شهيدة، فيما سجل التاريخ واحدة من أبشع الجرائم بمسح 2,700 أسرة فلسطينية بالكامل من السجل المدني.
تدمير منازل الفلسطينيين
تحدث محمود إسماعيل عن تدمير منزله بشكل كامل وهو منزل ضمن مئات الآلاف من منازل أهالى القطاع التي دمرها الاختلال خلال حربه على غزة، فوفقا لإحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، فإن هناك 227703 منزل متضرر، بإجمالى 510 وحدة سكنية، وهناك 335 مبنى ووحدة دمرتها إسرائيل بشكل كلي، مقابل 75 ألف وحدة تضررت بشكل جزئي إلا أنها غير صالحة للسكن، و100 ألف وحدة سكنية مدمرة بشكل جزئي وصالحة للسكن.
ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة
وأطلقت وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية في الثاني من مارس الماضي، رابط استعلام خاص ببيانات الحصر الأولي للوحدات السكنية المتضررة جراء حرب الإبادة على غزة، من فئتي الهدم الكلي والجزئي غير الصالح للسكن.
وأضافت الوزارة خلال بيان لها، أنها لا زالت تستكمل حصر الأضرار في كافة المحافظات ومن المتوقع أن ينتهي العمل خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أن الرابط يشمل بيانات محافظة غزة والوسطى وخان يونس بشكل مبدئي وفيما يخص محافظتي شمال غزة ورفح سيتم إدراج بيانات المتضررين خلال أسبوعين على الاكثر وذلك حين قرب استكمال الحصر الاولي وذلك بسبب تأخر انسحاب قوات الاحتلال من تلك المناطق، وأشارت إلى أن أي متضرر لديه حالة هدم كلي أو غير صالح واسمه غير مدرج ضمن قاعدة البيانات بإمكانه تقديم طلب إلكتروني على نفس الرابط.
البحث عن رفات الأسرة
وبعد مرور الوقت، بدأ محمود رحلة أخرى لا تقل قسوة، وهي البحث عن زوجته وأطفاله بين آلاف الأطنان من الركام، مضيفا: "بعد عام آخر عملت ما يقارب شهرين، واستخرجت بعض رفات زوجتي وبعض أبنائي، ولم يتجاوز وزن ما وجدته ستة كيلوجرامات فقط".

محمود إسماعيل أمام قبر أسرته
كانت كل قطعة عظم بالنسبة له تحمل ذكرى وحياة كاملة، لذلك لم يتوقف عن البحث، موضحا: "في نهاية عام 2025 اتخذت قرارا بأن أكمل مرحلة الانتشال، وقدرني الله أن أصل إلى رفات بعض أبنائي، كنت أبحث عن أي أثر يعيدهم إلي، حتى أستطيع أن أواريهم الثرى".
جرائم الاحتلال ضد النساء والأطفال
رحلة شاقة لاستخراج الجثث
ويصف محمود كيف اضطر إلى استخدام وسائل بدائية في عملية البحث، قائلاً: "كنت على تواصل مع أطباء العظام والتشريح في قطاع غزة وخارج فلسطين، من العراق ومصر، وكنا نحاول معرفة هذه العظمة لمن وهذه لمن، وبصفتي والدهم كنت أستطيع تمييز بعض العلامات في الفك والأضلاع".
وكشف تقرير "مرصد الأسلحة المتفجرة 2025" الصادر عن منظمة "هيومنتي آند إنكلوجن"، خلال بيان له في 12 يونيو، أن العالم شهد أكثر من 22,600 مدني نتيجة استخدام الأسلحة المتفجرة خلال العام الماضي، بانخفاض نسبته 21% مقارنة بعام 2024 الذي سجل 28,600 وفاة مدنية، وإسرائيل كانت مسؤولة عن 56% من إجمالي الضحايا المدنيين الذين سقطوا نتيجة استخدام الأسلحة المتفجرة حول العالم خلال عام 2025.

محمود إسماعيل وأبنائه
ويتحدث محمود إسماعيل عن طريقة استخراجه لرفات أسرته من تحت الأنقاض: "استخدمت طريقة الغربال، مثل الغربال الذي نستخدمه في إعداد المفتول، لأن العظام اختلطت بالرمال، وغربلت منزلي بالكامل على مساحة 250 مترا مربعا، ورفعت ما يقارب 600 طن من الردم حتى أعثر على أبنائي".
لم تكن رحلة محمود مقتصرة على منزله فقط، فقد امتدت عمليات البحث إلى الأماكن المحيطة، حيث يقول: "قبل فترة قريبة عثرت على أحد أبنائي في منزل الجيران بعدما كانوا ينظفون فناء منزلهم، فحتى الركام الذي انتقل من مكان إلى آخر كان يحمل جزءا من عائلتي".
ويحمل محمود في حديثه وجعا آخر يتعلق بما يراه من اختلاف في التعامل مع ضحايا الحرب، قائلا: "عندما تم الاتفاق بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي على تسليم جثث قتلى الاحتلال، فُتحت المعابر ودخلت الآليات والجرافات الكبيرة لانتشالهم، أما نحن فلدينا آلاف الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض ولم يقف معنا أحد".
محمود إسماعيل يصلى صلاة الجنازة على أسرته
9500 مفقود
وكشف المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، خلال بيان له في 2 ديسمبر الماضي، أن أكثر من 9500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، ونقص المساعدات مخالفة للبروتوكول الإنساني ولجوهر اتفاق وقف إطلاق النار، مطالبا بضرورة إجبار الاحتلال على إدخال المعدات اللازمة.
ويضيف: "الجميع يعلم أن الدفاع المدني في غزة تعرض للقصف ودمر الاحتلال آلياته، ولم تعد لديه القدرة الكافية على الوصول إلى كل من بقي تحت الركام، والعالم يكيل بمكيالين، لكن الله يمهل ولا يهمل".

محمود إسماعيل وأسرته
نقص كبير في معدات الدفاع المدني
ويقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، إن غزة تحتاج لكل شيء بكل معنى الكلمة، وهناك نقص كبير للغاية في الطواقم البشرية والإمكانات والمعدات لدى الدفاع المدني، مضيفًا أن الإنسان ولد بغزة ليعيش لا لأن تنتهك كرامته ويُعذب، لكن العالم لا يراهم كبشر، متابعا :" شهدنا عمليات تنكيل وتشويه في جثامين الشهداء الأسرى بعد أن سلمهم الاحتلال الذي دمر البنية التحتية في القطاع وأعدم كل مقومات الحياة ".
ويشير إلى ضرورة توفير ممرات آمنة لدخول كل احتياجات غزة من المساعدات الإنسانية بدون قيود، وإدخال معدات ثقيلة إلى القطاع لرفع الأنقاض واستخراج الشهداء، حيث إن العالم سيتفاجأ من حجم الكارثة الموجودة بعد رفع الأنقاض.
فيما يؤكد إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي للقطاع، أن غزة تمر بمرحلة إنسانية كارثية وحساسة للغاية، تتطلب تدخلا عاجلا وخطوات استثنائية لإنقاذ الواقع الإنساني والخدمي، مشيرا إلى أن حجم الكارثة الإنسانية التي تضرب كافة مناحي الحياة في القطاع لم يعد يحتمل المزيد من التأخير.
وبعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من عامين، تمكن محمود أخيرا من جمع ما استطاع الوصول إليه من رفات زوجته وأبنائه، حيث يقول: "الحمد لله، تمكنت من انتشال آثار ما تبقى من زوجتي وأبنائي، وواريتهم الثرى في آخر جمعة من رمضان عام 2026"، ورغم حجم الفقد، يتمسك الزوج بالصبر والإيمان، مضيفا: "فقدت عائلتي، لكنني مؤمن بأن الله يرى كل شيء، وصابر على هذا الابتلاء حتى يقر الله لنا أمرا".
قصة محمود ليست فقط قصة أب فقد أبناءه، بل قصة إنسان عاش بين الركام يبحث عن بقايا أحبائه، محاولا أن يمنحهم حقهم الأخير في الدفن والوداع، بعدما حالت الحرب بينه وبين أبسط حقوق الإنسان أن يودع من يحب.