البديهيات ثابتة لا تتغيّر، لكن انعكاساتها تختلف فى الزمان والمكان، وقد تكتسب دلالات ومعانى أعمق بوضعها فى سياقات مُتباينة.
وأشدّ ما تنطبق عليه الفكرة مُنتدى مصر 2026، إذ لا تتطابق النظرة إليه اليوم، بما كانت عليه عندما دُعِى إليه فى أغسطس، أو حتى إلى ما قبل أسبوعٍ من الآن.
والحق، أننى أراه أكبر من مُنتدى، وأوسع من حجم الطاولة وأيام الانعقاد، وأكثر أهمية من كل المحاور والعناوين، وما قيل حتى الآن أو قد يُقال لاحقا.
وعلى صعيد التأصيل، فباللغة هو نادٍ أو محفل للحوار وتبادل الأفكار، وبالفاعلية تعرض الحكومة وتسمع، وبالنتيجة فإنها حدٌّ بين زمنين مُتغايرين، سواء أسفر عن إجراءات تنفيذية أو ظل فى حيّز النقاش.
ومَردّ الإحالة المُغايرة، والتوسّع فى التأويل، ما أسبغه عليه الرئيس السيسى ضمنيًّا من أهمية مُضاعفة، بحديثه المتواتر عِدّة مرات خلال أيام قليلة، عن الدستور ومستقبل الرئاسة.
وفى ثنايا ذلك، أتوقف أمام جُملة قالها فى حفل الافتتاح، تبدو بسيطة وبديهة ولا شىء فيها يلفت النظر: «يرحل الجميع وتبقى مصر»، غير أنها هنا تحديدًا تتكثّف وتكتنز بالإشارات.
لعلّها وردت على لسان جمال عبد الناصر فى مناسبة أو أكثر، وربما قالها السادات. غير أنها لم تُغادر الشفاه إلى أرض الواقع، فيما يبدو التطبيق اليوم سابقًا على النظرية، أو أنها طالعة من تُربة التجربة.
ولا أستبق الأحداث، أو أنجّم بشأن المستقبل، إنما أمدّ الخطوط على استقامتها. فضلاً على أننا إزاء مبادرة، غير مدفوعة إلا برؤية صاحبها، وأية قراءة مُضادّة لن تكون إلا نتاج أيديولوجيا أو دجل.
تبدأ الأمور صغيرة وتكبر، ومن الوقائع المتوالية يعاد تشكيل الواقع، حتى أن البعض قد لا يلحظون التغيير من فرط الإغراق فيه واعتياد تفاصيله المُتناثرة.
قف وانظر للوراء، ستجد أنك بعيد جدا عن ماضيك القريب، وربما لا وجه للشبه مع أكثر الناس اتصالا بك، بيولوجيا أو فكريا. حتى الملامح فى صيرورة دائمة، لا تتاح الإحاطة الكاملة بها بغير الانقطاع عنها لفترة كافية.
نجتهد ما وسعتنا السبُل لتعميق الأُلفة مع محيطنا الحيوى، غير أنها تتحول مع الوقت إلى قيد علينا. والمعاصرة حجاب كما قال القدامى، فضلا على أن ما نألفه بالتعود أو الاضطرار، غالبا ما يتعذّر علينا أن نتجاوزه بيُسر إلى سواه.
وما يصح مع الفرد، يسرى على الجماعة. ومصر الآن ليست كما كانت قبل بضع سنوات، ولا عند موقفيها الوجوديين فى عامى 2011 و2013.
اختلاف حاد فى الشكل، وتحول كامل فى المضمون. وهنا أرصد من دون تقييم، إذ المسألة أكبر من إعلان انحياز وتفضيلات، أو منح درجات على سلم، لا يُعرَف مُنتهى صعوده أصلا.
لن أحفر فى التاريخ لأبعد مما يتطلب السياق، وما كان كثيره مفيد، فقليله لا يعدم الفائدة.. عرفت البلاد أحد عشر حاكما من الأسرة العلوية، فيما يقل عدة سنوات عن القرن والنصف.
ثم تلاهم خمسة فى نحو سبعين عاما، بحساب أيام صوفى أبو طالب. وعند منتصف العام 2030 سنكون بلغنا العدد نفسه فى أقل من عقدين، بحسبة الفترتين الانتقاليتين مع المجلس العسكرى والمستشار عدلى منصور.
تسارع الإيقاع على امتداد قرنين، وكان فى كل مرة يُدفَع بوسائل خشنة. غير أننا نقف اليوم إزاء لحظة تاريخية بكل المقاييس، يوطئ فيها رئيس الجمهورية لآلية انتقال ناعم، وفق وتيرة منضبطة، وبما لا يخمد عزف الموسيقى الوطنية، أو يحوّلها إلى فالسٍ ومارشات صاخبة.
انتقالان سابقان، بحركة من الضباط احتضنها الشعب، فأحالت الحكم المَلكىّ للتقاعد وغيّرت وجه مصر، ثم بمخاضٍ ثورىّ تعثّر ليُصحّحه الغاضبون فى 30 يونيو.
ونحن الآن إزاء طبعةٍ ثالثة، أكثر نضجًا ورؤية ورويّة، وقد تكون تتويجًا لمسيرة التأسيس والتحديث وتثبيت الدولة.
ووظيفة المنتدى فى الظرفٍ، أن يُجسّر المساحة بين الحكومة والشارع، يطرح السرديّة على المشارع، ويُؤسِّس لحوارٍ يكون الاختلاف فيه داخل الخيمة، لا من خارجها أو عليها.
تعرض الإدارة حصيلتها، ما أنجزته أو تعثّرت فيه، وتسمع الشواغل والأولويات. تنقل خبراتها وتستضىء برؤى الخبراء، وبينهما لكل الأطراف حق النقد والنقد والنصح والإرشاد، باستثناء مَن لا تجمعهم الطاولة.
وقد يكون نسخة أولى تتبعها نُسَخ سنوية حتى 2030، أو نواة تتفرّع عنها فعاليات أكثر تقدّمًا ونوعيّة، من حيث العناوين والمضامين أو طبيعة المشاركين، إنما تنضبط كلها تحت السقف الوطنى، وتحالف 30 يونيو، لا تفرز ولا تُجنّب إلا ما جنّبته ثورة التصحيح.
ربما لم يرد كل ذلك على ذهن مدبولى ووزرائه، عندما تلقّوا توجيه القيادة السياسية وبدأوا التحضير. غير أن السيسى فكّر فى المسألة بالتأكيد، تأسيسًا على أن حسم الموقف من الاستحقاق الرئاسى أسبق لديه طبعًا من دعوة المنتدى.
وعليه، فنحن على الأعتاب، وسنتجاوز الباب مع الوقت. بما طُرِح فى كلام الرئيس، وما ستحمله رياح الأيام ونقاشاتها. وفى كل الأحوال، نحتاج جميعًا للكلام عن المستقبل، لا فى مستوى الآمال والتطلعات، إنما على صعيد الخطط والخرائط ومسالك الوصول.
والمرحلة المقبلة ستنفتح فيها الساحة أكثر، وستظل طاقة الدفع الرئاسية حاضرة ومُحفّزة، ولا بديل عن الأخذ بزمام المبادرة، وتنظيم حالة الحوار والتفاعل العام، والتأسيس لورشة عمل لها عقل ومنهج، وكوابح محل اتفاق.
ولا شكّ، سيمتد الطرح إلى القوانين الناظمة للعمل السياسى وشروط الترشّح. وربما يرى البعض أننا نحتاج إلى وثيقة دستورية أكثر نضجًا، والأكيد أننا فى حاجة لتثبيت أسس الوفاق الوطنى فى 30 يونيو، وقطع الطريق على أية محاولات مشبوهة.
الإخوان جماعة إرهابية، مُستبعَدة وطنيًّا، وكل مَن ينتمى إليها تنظيميًّا لا مكان له. والأفق يتّسع للبحث فى عناصرها المُتخفّين، وفى المتحالفين معها من وراء ستار، ومَن يُحتمَل أن يكونوا «حصان طروادة» لها، وقد شهدنا تحالفاتها السابقة مع قطاعات من اليسار والناصريين وسواهم.
يطرح المُنتدى قضايا الواقع، والحاضر فاتحة المستقبل، تتناسل القضايا من بعضها ولا تتولّد من عَدم. فكأن الرئيس يقود منظومة مُتكاملة للتحوّل، بالصدمة والحوار والتمهيد ورعاية المسار، وبالشراكة على طاولة النقاش هُنا، وفى ورش العمل لاحقا.
الحدث أكبر من مُنتدى فعلاً، والإيقاع الصاعد ما يزال فى صعوده، غير أنه يستقرّ وينتظم ويصفو، ويرسم لمصر ملامح نقلة تاريخية حقيقية، قد تمثّل طفرتها الثالثة، وفى الوعى الشعبى العابر للأجيال كثيرًا ما نكون «التالتة ثابتة».