قد تبني مصنعًا بمليارات الجنيهات، وتوفر فرص العمل، وتفتح أسواقًا في عشرات الدول، ثم تكتشف أن أصعب ما تواجهه ليس المنافسة العالمية، ولا نقص التمويل، بل غياب التواصل !
التواصل بين هذه القلاع الصناعية و أجهزة الدولة .. و أيضا التواصل بين هذه الكيانات و بعضها .. اليوم، أسعدني الحظ بزيارة إحدى القلاع الصناعية الكبرى بمدينة العاشر من رمضان؛ مصنع ضخم يقف شاهدًا على ما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تلتقي بالعلم والطموح ورأس المال والرؤية.
التقيت رجل أعمال شابًا، في مقتبل العمر، يمتلك فكرًا وبصيرة وطموحًا، ويدير استثمارات صناعية كبرى في مصر وعدد من الدول العربية والأوروبية والأفريقية.
وخلال حديثنا، استوقفني سؤال طرحه ثم أجاب عنه بنفسه، في عبارة تختصر فلسفة كاملة في الانتماء والمسؤولية:
«هذه القلاع الصناعية الكبرى.. من يملكها ؟ إنها ملك الوطن!»توقفت طويلًا أمام هذه العبارة؛ فالمصنع، وإن كان مملوكًا لمستثمر، فإن أثره يتجاوز أسواره؛ فهو فرص عمل لأبناء الوطن، وإنتاج يضيف إلى قوته، وصادرات تجلب العملة الأجنبية، وخبرات تبني المستقبل، وضرائب وموارد تسهم في دعم الاقتصاد.
ومن هنا، لم يكن حديثنا عن مصنع بعينه، بل عن قضية أكبر تتصل بمستقبل الصناعة المصرية، وكيف يمكن أن نفتح أمامها آفاقًا أوسع للنمو والانطلاق.
》طرح رجل الأعمال ملاحظة تستحق التأمل: أن التواصل بين بعض أجهزة الدولة وكبار المستثمرين الصناعيين لا يبلغ دائمًا المستوى الذي تتطلبه استثماراتهم وحجم إسهامهم في الاقتصاد الوطني. وقد تكون هناك مشكلات أو عقبات يمكن حلها بالحوار المباشر والتنسيق المبكر، قبل أن تتحول إلى أعباء تعطل التوسع والإنتاج.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا نبذل الجهد لجذب استثمارات جديدة، ثم لا نمنح الاستثمارات القائمة ما يكفي من الاهتمام والرعاية والتواصل؟ إن المستثمر الذي أقام مصنعًا، ووفر فرص العمل، وخاض المنافسة، وبنى أسواقًا لمنتجه، يستحق أن يجد من يصغي إليه، ويتفهم احتياجاته، ويساعده على تجاوز العقبات في إطار القانون والمصلحة العامة.
》ولا يعني ذلك منح أحد امتيازات خاصة، أو تجاوز القواعد، وإنما يعني أن تكون للدولة رؤية شاملة و عليا لإدارة الاستمارات، و أن تكون هناك قنوات واضحة وفعالة للتواصل، تضمن سرعة الاستجابة، وتوحيد الجهود، وإزالة العقبات غير الضرورية.
》ولعل من الأفكار التي تستحق الدراسة إنشاء آلية مؤسسية للتواصل المباشر مع القلاع الصناعية الكبرى، تضم الجهات المعنية، وتتابع التحديات التي تواجهها، وتعمل على حلها بالتنسيق فيما بينها، بدلًا من أن يضيع المستثمر بين أبواب متعددة واختصاصات متشابكة.
》كما يمكن إنشاء منصة للتعاون بين المصانع المصرية، للتعرف على احتياجات بعضها من منتجات ومكونات وخدمات، بحيث يصبح ما ينتجه مصنع مدخلًا إنتاجيًا لمصنع آخر؛ فنقلل الاعتماد على الاستيراد، ونرفع نسبة المكون المحلي، ونخفض التكلفة، ونزيد القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
》إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق فقط بإقامة مصانع جديدة، بل أيضًا بتعظيم الاستفادة من المصانع القائمة، ومساندة توسعاتها، وربط حلقات الإنتاج، وتشجيع الابتكار، وفتح الأسواق أمام المنتج المصري.
ومن المهم كذلك أن يصل صوت الصناعيين إلى صانعي القرار عند إعداد السياسات الاقتصادية والتشريعات ذات الصلة؛ فالحوار بين الدولة والمنتجين ليس مجاملة، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد الحديث، حيث تتكامل الرؤية الحكومية مع الخبرة العملية للمستثمرين.
فالدولة القوية لا تقف في مواجهة المستثمر الجاد، كما أن المستثمر المسؤول لا يعمل بمعزل عن واجباته تجاه الدولة والمجتمع. العلاقة الصحيحة بينهما تقوم على القانون، والشفافية، والثقة المتبادلة، وإدراك أن نجاح الصناعة الوطنية مصلحة مشتركة.
●● لقد خرجت من هذه الزيارة بفكرة أراها جديرة بالاهتمام: ربما لا تحتاج بعض القلاع الصناعية إلى مزيد من القرارات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من التواصل؛ فالكلمة التي تفتح بابًا مغلقًا، والاجتماع الذي يحل مشكلة معلقة، والتنسيق الذي يمنع تعطل الإنتاج، قد تكون جميعها ذات أثر اقتصادي يفوق ما نتخيل.
▪️︎▪️︎ فالسؤال الذي يستحق أن يشغلنا اليوم ليس فقط: كيف نبني مزيدًا من القلاع الصناعية؟
بل: كيف نفتح أمام القلاع القائمة أبواب الانطلاق، لتصبح كل قلعة منها قوة تدفع الاقتصاد المصري إلى الأمام؟
"اللهم احفظ مصر، وبارك في سواعد أبنائها وعقولهم، ووفّقهم للبناء والإنتاج، واجمعهم على ما فيه خيرها وعزتها وازدهارها، واجعل مستقبلها أكثر قوة ورخاءً وأمانًا.. اللهم آمين".