إن لم نُهيِّئ العقول والنفوس والأجواء لإعادة تشكيل الوعي السياسي، فقد نتعرض لانتكاسة كبرى، وتضيع سنوات من البناء. فالأحجار لا تبني العقول، إنما العقول هي التي تبني. ولا نريدها أن تبني أصنامًا تُعبد، إنما نريدها أن تنتج أفكارًا وآراء، وأن تزرع في ضمائر الناس حب الحق والحرية، وأن يسود العقل الواعي الذي يدرك ما يحيط به من أمور، ويميّز بين الصواب والخطأ، وبين الحقيقة والزيف.
نريد أن نقبل الآراء المختلفة، وأن ندرك أن مخالفة الرأي ليست عداوة، بل هي علامة على نضج الأمة وعافيتها. نريد أن نتسامح فيما بيننا، وأن نرى الحق كما هو، فلا نرفضه لمجرد أنه يخالف ما اعتدنا عليه، ولا نقبل الباطل لمجرد أنه يوافق أهواءنا. فالحق بطبيعته جميل، أما القبح فينبغي أن نراه على حقيقته، وأن نكشفه دون مواربة. وعلينا أن نصحح رؤيتنا للأمور، وأن نلفت الأنظار إلى ما قد يغيب عنها، فالحق يقوم على الفضائل، ورفيع الأخلاق، والسمو النفسي والعقلي.
تُعد السياسة من أهم العوامل التي ترسم خطى الأمة، وتؤثر في معايش الناس وأرزاقهم؛ فالقرارات السياسية والاقتصادية تنعكس على أحوالهم المعيشية، وفرص العمل، والتعليم، والخدمات، والحقوق والحريات. ومن ثم، فإن إهمال الشأن السياسي لا يعني الابتعاد عن أمر لا يمس حياة المواطن، بل قد يعني التخلي عن فهم قضايا تؤثر في حاضره ومستقبله، وعن إدراك حقوقه وواجباته ومسؤوليته تجاه المجتمع.
إن ضعف الوعي السياسي يترك آثارًا سلبية على أفراد المجتمع، ويزيد من صعوبة التعامل مع المشكلات التي تواجههم. فالإنسان الذي لا يدرك أسباب المشكلات، ولا يفهم علاقتها بأوضاع المجتمع، قد يعجز عن تحديد المسؤول عنها أو التمييز بين أسبابها الحقيقية ومظاهرها، وربما يبحث عن حلول لا تعالج جذورها.
كما أن ضعف الوعي يجعل تقييم الأمور قائمًا على أسس خاطئة، فقد يتأثر الإنسان بالشعارات والانفعالات، أو يربط حكمه على أداء المؤسسات بالأشخاص الذين يتولون إدارتها. فإذا وثق في شخص، ربما امتنع عن نقده أو مساءلته، وإذا اختلف معه، فقد يرفض كل ما يصدر عنه، بصرف النظر عن صوابه أو خطئه.
والحقيقة أن تقييم أداء المؤسسات والسياسات ينبغي ألا يقوم على الولاء للأشخاص أو النفور منهم، وإنما على الأهداف المعلنة، والقرارات المتخذة، والنتائج التي تحققت، ومدى تأثيرها في حياة المواطنين. فالمؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى أصنام، ولا الأشخاص إلى رموز فوق النقد والمساءلة.
والحرية ليست منحة يتفضل بها حاكم أو نظام، وإنما هي حق ينبغي أن يتمكن الجميع من ممارسته دون خوف أو تعصب، في إطار يحفظ حقوق الآخرين. ولا تكتمل الحرية بمجرد السماح للإنسان بالتعبير عن رأيه، بل تحتاج أيضًا إلى أن يكون قادرًا على التفكير والمناقشة والاختيار، وأن يراجع مواقفه متى ظهرت له حقائق جديدة.
وعندما يضعف الوعي السياسي، قد يتردد الإنسان بين المواقف المتعارضة تحت تأثير الغضب أو الدعاية المضللة أو ضغط الجماعة، وقد تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات شخصية، فيُنظر إلى المخالف باعتباره عدوًا، لا إنسانًا يملك حق التفكير والاختيار. وهنا تتراجع قيمة الحوار، ويصبح الانتصار للرأي أهم من البحث عن الحقيقة.
وقد تستغل بعض الجماعات هذا الضعف لاستقطاب الناس، وتوجيههم نحو مواقف لا تقوم بالضرورة على المعرفة والفهم، بل على التعصب والانقياد. ومع الوقت، قد تنقسم الجماهير إلى فرق متناحرة، يرفض بعضها بعضًا، ويصبح الولاء للجماعة مقدمًا على الحق، حتى لو كانت الوقائع والأدلة تشير إلى غير ما تؤمن به.
ومن هنا تبرز ضرورة تنمية الثقافة السياسية لدى الجمهور، وإتاحة المعرفة التي تعينه على فهم الشأن العام، حتى يستطيع تقييم القضايا والسياسات على أساس من الوعي والفهم، لا على أساس الانطباعات والأحكام المسبقة.
وللإعلام دور كبير في تشكيل الوعي السياسي؛ إذ يستطيع أن يسهم في تنميته عندما يعرض المعلومات الموثوقة، ويناقش القضايا بموضوعية، ويكشف جوانب القوة والضعف، ويتيح للجمهور الاطلاع على وجهات النظر المختلفة. أما حين يكتفي بعرض وجهة نظر واحدة، أو يتجاهل المشكلات والأزمات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الناس، فإنه يحرمهم من جانب مهم من المعرفة التي يحتاجون إليها لتكوين آرائهم.
ولا يمكن إغفال أثر الظروف المعيشية في تشكيل الوعي؛ فالإنسان الذي تستغرقه محاولات توفير احتياجاته الأساسية قد لا يجد الوقت أو الموارد الكافية للقراءة والمتابعة والتحليل. ولذلك، فإن تنمية الوعي السياسي لا تتطلب توجيه اللوم إلى الجمهور وحده، بل تستدعي أيضًا توفير التعليم والمعرفة والمعلومات، وتهيئة الظروف التي تسمح للناس بالمشاركة في الشأن العام.
إن بناء الوعي يبدأ بتنمية قدرة الإنسان على التفكير، وفهم ما يدور حوله، ومراجعة مواقفه، والتعامل مع الاختلاف باحترام، والإيمان بحق الآخرين في التفكير والاختيار. فليس المطلوب أن يتبنى الجميع رأيًا واحدًا، وإنما أن يمتلك كل فرد القدرة على تكوين رأيه على أساس من المعرفة والاقتناع، وأن يكون مستعدًا لمراجعته إذا تكشفت له حقائق جديدة.
وعلى هذا الأساس، تصبح المشاركة في الشأن العام أكثر وعيًا ومسؤولية، ويصبح المواطن أقدر على مناقشة القضايا، وتقييم أداء المؤسسات، وتقديم المقترحات، والمشاركة في الاختيار والمحاسبة. فالغاية من إعادة تشكيل الوعي السياسي ليست استبدال رأي برأي، ولا إحلال تبعية جديدة محل تبعية قديمة، وإنما تحرير العقل من الانقياد، وتمكينه من البحث والنقد والاختيار.
فالأحجار لا تبني العقول، إنما العقول هي التي تبني، والنهضة الحقيقية لا تتحقق بما نقيمه من صروح فحسب، بل بما نُنشئه من عقول واعية، وضمائر حرة، وأفراد قادرين على تحمل مسؤولية الاختيار.