قفز النفط مجددا، وعلى وشك أن يتجاوز ذروته السابقة فى أبريل. الحرب قائمة؛ وإن بوتيرةٍ خفيضة، واشتعال أوارها ثانيةً مسألةُ وقتٍ لا أكثر. الحال سيّئة؛ ولعلَّ القادم ليس أفضل حالا.
تلفُّ الولايات المتحدة فى دائرة مُفرّغة، وإيران أيضًا. وكلّ الأفكار المطروحة فوق الطاولة وتحتها، عاجزة عن تسوية الصراع. إنها مُطاردة محكومة بسقوط أحد الطرفين، ومعلومٌ أىّ السقطتين أقرب!
عبرَ الغريمان خطَّ التعايش، أو كسراه وضَيّعا فُتاتَه تمامًا. وعليه؛ فلا أمل فى عودة الإقليم لِمَا كان، ولا فى المُساكنة الرماديّة؛ وإن بشروطٍ أقسى على السكّان الآمنين مِمّن لا ناقة لهم ولا جَمل.
وكلُّ ما دون ذلك تفاصيل، ودعاية، وضلالات أحيانًا. ادّعاء النصر من جهة طهران، وانتظار واشنطن لصفقةٍ تعرف أنها لن تجىء.. وإنْ حدث لطارئ أو مُحفّز خفىّ؛ فلن تكون مُقنعةً أو مُرضِيَة.
باختصار؛ فلا مناص من الصدام. وكلاهما ينكر، ويُمنّى النفس بالعكس.
ويُلوّح لإظهار الثبات، ويقود باندفاعٍ على أمل أن يخاف المقابل وينحرف.. قبل الانتخابات أو بعدها، بطاولةٍ ومن دونها، وفُتِحَ هُرمز أو ظلَّ مُغلقًا؛ فالمآلات لن تكون طيِّبةً على الإطلاق.
فى سياقٍ كهذا، جاء المُنتدى، وانخرط المشاركون فيه لأسبابٍ شتّى. أهمّها يخصُّ الداعين للحدث، وأكثرها صخبًا عن المحاور والمضامين وترتيب الطاولة.
سلطة تنفيذية تُقدِّم نفسَها، مُوالاة تمتدح ومُعارضة تنتقد، وأيَّامٌ أثمنُ ما فيها أنها عادية.
الساحة حولنا مُسيّجةٌ بالبارود والنار، ومَنْ لا يُحارب فيها بالأصالة، تخترقُ الحربُ ساحتَه بالوكالة، أو تَسّاقَطُ عليه شظايا الآخرين وشعاراتهم الحارقة.
خريطةٌ تعيش تحت أضواء القنابل الكاشفة، وينامُ ناسُها على شَكٍّ، ويصحون على ضباب وهلع.
دُوَلٌ مُحاصَرة أو تُدْعَى إلى الميدان بلا مَشورةٍ واختيار. ميليشيّاتٌ سارحةٌ فى العواصم، تخترقُ قرارَها أو تُقدِّمُ الذريعة للراصدين.
وبلدانٌ كُبرى تتحَوصَلُ مُضطرّةً فى دراما يفرضها عليها الصغار، فعاليات تُلغَى وشبابيك تُوصَد؛ وما كان مُعتادًا يصير فاكهةً مُستحيلة.
والأكيد أن الرئيس السيسى عندما دعا لمُنتدى مصر 2026؛ إنما أراد أن يُرتّب طاولةً وطنية، فى جوٍّ إقليمى عام تُخيّم عليه الفوضى وغبار المعارك.
تعرفُ الحكومة ما أنجزته وما لم تُوَّفَق فيه، ويعرف الشارع ما وصله وما يتطلّع إليه. ولُغة الحوار مُعطّلة نسبيًّا، أو ليست فى أحسن أحوالها؛ فنحتاج لنقاشٍ يُقرّب المسافات، ويُرتّب الأولويات.
الرسالةُ حاضرة دومًا فى كلام القيادة السياسية. كان الظرفُ استثنائيًّا بعد ثورتين، والتحديات عديدة ومُتشابكة، والنفاذ إلى الإصلاح له كُلفة عالية، رتّبت أعباء على المواطنين بطبيعة الحال.
غير أن الصورة ليست سوداء؛ وإن لم تكن ورديّةً. وطريق الانتقال من حالٍ لأحسن منها؛ إنما يبدأ بمعرفة ما نحن عليه وما نتطلّع إليه، ويمرُّ وجوبًا بالجدل الخلّاق؛ للاتفاق على أيسر السُّبل وأكثرها فاعليّة.
اللقاء ليس رفاهية، والساعون لصالح الوطن لن يتأخروا عن كل فرصة للحوار، وسيُقدّمون إحسان الظنّ على التشكيك والمُكايدة، والرأى والمشورة على الاشتباك المجّانى، وعلى شهوة تسجيل النقاط.
كتبتُ عن المُنتدى غير مرّةٍ خلال أيام انعقاده، اقتربتُ من الفكرة وبواعثها، وفتّشتُ عن مداخل وروافع لترقيتها وتحسين عوائدها.
تمنّيت أن يكون دوريًّا؛ وقد أعلن السيسى ذلك فى كلمته. وأدعو إلى مَأسَسَتِه، بأن يمتلك هيكلاً مُستقلًّا أو مُتفرّغًا، ويتحوّل إلى منظومة عمل دائمة.. تبدأ قاعديّة، وتتدرّج صعودًا إلى الفعالية الكُبرى.
وكُنت، وما زلتُ، أراه وكلَّ حدثٍ شبيهٍ من صميم أدوار مكوّنات المجتمع المدنى بمعناه الواسع، أى كل ما فوق الفرد ودون الدولة، ومنها الأحزاب والقوى السياسية.
وأهل السياسة؛ لا سيما المُعارضة، أحوج إلى الاهتمام بذلك والإقبال عليه، وحُسن الاستعداد والمشاركة، وعدم تفويت أىّ موعدٍ أو مُلتقى.
وأعرفُ، والقيادة والحكومة بالضرورة، أنه ليس محلَّ إجماع، ولن يكون.
لا داعمو المُنتدى سيقبلون فيه كلمة، ولا ناقدوه سيرضون له مديحًا؛ على أن الحقَّ كالعادة بين الضدّين، والتوسّط طريق التعقّل والاعتدال والفهم.
نحتاج فى المرَّات المُقبلة لاستعدادٍ أطول وأوفى، وتمثيلٍ أوسع، وإقبالٍ مُتلهّفٍ على المُشتركات، وإيغالٍ لطيفٍ ومُترفِّق فى الخلافيّات.
وما لا شكَّ فيه، ولا مراء أو مُجادلة؛ أن خطابنا جميعًا أحوج للتحسين فى نقاطٍ، وللتغيير فى أُخرى. إذ الغاية واحدة، والوسائل مُتعدّدة، وبساط مصر يتّسع لكلِّ مَن لم يُشهِر عداوتَه؛ مهما كانت ذرائعه.
تجتهد الحكومة؛ وعليها المزيد. وللشارع حقوق ومطالب مشروعة، كما أنه مُطالَبٌ بتفهّم الأوضاع وضغوطها المحلية والمُستورَدة. والنُّخَب شريكٌ أصيل، وحلقةٌ وسيطة فى التقييم والتقويم والإقناع.
ما بلغنا كلّ ما نحتاج ونتمنّى ويليق بنا بعد؛ غير أننا لا ننطلق من خرابٍ أو عدم. حققنا الكثير، ونتطلّع لما هو أكثر. وينقصنا الكثير، وعلينا أن نجتهد ونصبر.
لا الرئيس قال إننا بلغنا الآمال، ولا ادّعت الحكومة. ومن جانبى لا أُبرّر، ولستُ من أنصار أنه «ليس فى الإمكان أبدع ممّا كان».. عطّلنا أنفسنا، وعطّلتنا ضغوط خارجية طارئة، وقطعًا نستحق الأفضل.
على أننا نختلف على طاولةٍ مُرتّبة، وخلافات غيرنا تحت النار، وفى ميادين القتال.
كما أنه لا سبيل إلا الإصلاح، ولن نبلغه إلا من طريق الحوار، والاستيعاب المُتبادَل، والتدرُّج الصاعد، وإنجاز فروضنا خطوةً بعد خطوة، وتعلية بنيانها مدماكًا فوق آخر.
لم نخرق الأرض أو نبلغ الجبال طولاً. أنجزنا دون أن نُحقّق مُعجزةً، وتعثّرنا ولم نسقط؛ غير أن الغلاف المُحيط كان يُبشّر بأسوأ من ذلك، وقد أوقع سوانا فى سوءاته بالفعل!
ليس مطلوبا أن نرضى بالمُتاح، أو نتوقّف عن الطموح؛ إنما يتعيّن ألَّا نجلد أنفسنا، وألّا ننفصل عن الواقع، ونُبدِّد الوقت والطاقة بين خفّة الرومانسية وثِقَل الأيديولوجيا.
أحيانًا، قد يكون العادىّ فى حدّ ذاته نعمةً، وحدثًا يستحق الاحتفاء. كأن نذهب للكلام بينما يذهب آخرون للقتال، وأن نتحلّق حول طاولة هادئة فى إقليم مُشتعل!