أنظار العالم كانت تتابع باهتمام بالغ وبشغف " المعركة الانتخابية " لمرحلة الإعادة في البرازيل بين الرئيس اليميني فلافيو بولسونارو والرئيس البرازيلي الأسبق اليساري لولا دا سيلفا.
أقرب المتفائلين لم يتوقع فوز سيلفا في ظل الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترامب ومعه رئيس الورزاء الإسرائيلي نتنياهو للرئيس بولسونارو الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن وتل أبيب
حقق دا سيلفا فوزا تاريخيا ووصفه المراقبون بأنه فوز دراماتيكيا ولولاية رابعة غير متتابعة وبفارق في الأصوات من الشعب البرازيلي يقدر بحوالي 4 مليون صوت بعد أن تقدم بولسونارو في انتخابات الجولة الأولى قبل أسبوعين.
النتيجة التي أعلنت عنها فجر الأثنين المحكمة العليا البرازيلية بفوز دا سيلفا – البالغ من العمر 80 عاما والمولود في 27 أكتوبر 1945- جاءت مفاجئة وعكس تيار التوقعات والحسابات السياسية الدولية وواقع المشهد السياسي في دول أميركا اللاتينية، فقد وضعت حدا لموجة الانتصارات الانتخابية لليمين في جميع أنحاء القارة بدعم من الجارة الكبرى وهي الولايات المتحدة الأميركية. فقد فاز دا سيلفا بعد حملة انتخابية طويلة ركز فيها على البرامج الاجتماعية والسيادة الوطنية، فيما ركز بولسونارو على خطاب محافظ يميني.
فوز لولا دا سيلفا بولايته الرابعة في البرازيل " صفعة سياسية" كبرى للنفوذ الأميركي في دول القارة اللاتينية التي تعتبرها واشنطن الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ومن المهم استراتيجيا أن تكون أنظمتها السياسية الحاكمة تربطها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وتتمتع بحمايته. فالرئيس البرازيلي الجديد القديم يعارض وبشدة للنفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية وفي بلاده وبخاصة في السياسات التجارية والأمنية.
وصفعة أيضا لليمين الإسرائيلي الذي يرى في سيلفا أكبر المناصرين للقضية الفلسطينية والحق الفلسطيني ليس فقط في أميركا اللاتينية وانما في العالم .والتخوفات الآن أن فوز دا سيلفا قد يعتبر ارهاصة وبداية لاعادة مسار البوصلة السياسية اللاتينية اليمنية المتقاربة مع النهج الأميركي والمؤيدة لإسرائيل والتحول الى النهج اليساري، فالبرازيل هي الدولة الأكبر سكانيا في القارة بحوالي 214مليون نسمة، والاقتصاد البرازيلي هو الأكبر أيضا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 2.6 تريليون دولار في العام الجاري وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، مما يضعها ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم
يعني فوز دا سيلفا استمرار التوجه اليساري و الحفاظ على بقاء البرازيل ضمن المعسكر اليساري في أمريكا اللاتينية، وعكس التيار اليميني الذي كان متوقعاً في المنطقة. وتعزيز التعاون مع قوى دولية مثل دول "بريكس" واستمرار الانفتاح الدبلوماسي، وسط ترحيب إقليمي ودولي واسع بهذا الفوز، واستمرار سياسات لولا الهادفة إلى خفض إزالة الغابات في غابات الأمازون وطرد عمال المناجم غير القانونيين لمواجهة أزمة المناخ العالمية.
وعلى الرغم من الفوز التاريخي والدراماتيكي فان لولا دا سيلفا يواجه في رئاسته الجديدة تحديات سياسية واقتصادية كبيرة، فالبرلمان البرازيلي يضم قوى محافظة قوية حققت مكاسب في الانتخابات التشريعية، ما قد يجعل إقرار مشاريع الحكومة أكثر صعوبة، ويضطر لولا إلى بناء تحالفات واسعة لتمرير سياساته.
ويبقى فوز سيلفا مرهونا بقدرته على تحقيق استقرار سياسي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، والحفاظ على تماسك المؤسسات الديمقراطية في البرازيل
وينتمي الرئيس البرازيلي التاريخي الى أصول طبقية فقيرة، حيث عمل في طفولته كماسح للأحذية وبائع للفول السوداني في شوارع ساو باولو وانتمى الى حزب العمال اليساري حتى أصبح قائده وطارحا لبرامج اجتماعية واقتصادية لصالح الفقراء وقاد تظاهرات واضرابات العمال ودفع ثمن ذلك بسجنه وعقب خروجه ترشح للانتخابات عدة مرات حتى فاز بالولاية الأولى في عام 2003 واستمر لفترتين حتى نهاية عام 2010 وزادت شعبية وإنجازات دا سيلفا بمدته الرئاسية الثانية نتيجة سياساته اليسارية وحقق طفرة اقتصادية للبرازيل وتم اختياره الرجل الأكثر بروزا بالعالم في عام 2009 عبر مجلة ( لوموند) الفرنسية، كما اختارته الفايننشال تايمز من أهم 50 شخصا بالعالم بالعقد الأول من القرن الحالي.