خالد سنجر يكتب: عبيط القرية 7

الخميس، 29 أكتوبر 2026 12:24 م
خالد سنجر يكتب: عبيط القرية 7 الكاتب الصحفى خالد سنجر

المشهد الأول: حلم صغير

 ساحة القرية – نهار

أهالي القرية متجمعين حوالين توكتوك جديد، مزين بشريط أحمر.. محروس واقف جنبه، مش مصدق نفسه، وبيمسح على جسمه كأنه بيمسح على كنز.

عم حسن، بائع الخضار: مبروك يا محروس يا ابني! أهو ربنا كرّمك، وبكره التوكتوك ده يبقى فاتحة خير عليك وعلى أمك.

محروس، بفرحة طفل: ربنا يخليكوا ليا يا عم حسن. والله العظيم لو أشتغل ليل ونهار، مش هنسى جميلكم طول عمري.

شاب من أهل البلد، ضاحك: بس إوعى يا محروس حد يضحك عليك ويخدك على قد عقلك!

محروس، ببراءة: هو فيه حد يضحك على أخوه يا جدعان؟ إحنا كلنا أهل.

الناس تضحك، لكن العمدة عبد الرحيم، اللي كان واقف بعيد، يبص لمحروس بحنان وقلق.

الحاج عبد الرحيم: يا محروس، الطيبة حلوة يا ابني، بس لازم يبقى ليها عين تشوف. مش كل اللي يضحك في وشك بيحبك.

محروس: ربنا عالم بالقلوب يا حاج.

يركب محروس التوكتوك وينطلق وسط زغاريد الستات ودعوات الرجال.

لكن من بعيد، شوقي تاجر المخدرات ودراعه اليمين رجب بيتابعوه بنظرات خبيثة.

شوقي، وهو بيولع سيجارة: شايف العيل ده يا رجب؟ ده رزق نازل علينا من السما.

رجب: تقصد إيه يا ريس؟

شوقي، بابتسامة باردة: الواد ده لو دخل معانا في شغلنا، عمره ما هيعرف هو بيعمل إيه\!.

 

المشهد الثاني: الطُعم

قدام القهوة – مغرب

محروس قاعد في التوكتوك بعد يوم شغل طويل. شوقي يقرب منه ومعاه كيس أكل.

شوقي: إزيك يا محروس؟ سمعت إنك بتشتغل من الفجر. خد يا سيدي، اتعشى إنت وأمك.

محروس: إيه ده يا شوقي بيه؟ ربنا يخليك! بس ليه تتعب نفسك؟

شوقي: إنت أخونا يا محروس. وبعدين أنا عندي مشاوير كتير، وعايز حد أمين يوصل شوية طلبات للناس. مشوار صغير، والفلوس ليك.

محروس: طلبات إيه؟

رجب، بسرعة: حاجات بتاعة المحل يا سيدي، قطع غيار وحاجات كده. وإنت وشك خير علينا.

محروس: طالما شغل حلال، أنا تحت أمركم.

شوقي يضحك ضحكة خفيفة، ويبص لرجب.

شوقي: حلال يا سيدي، حلال زي الفل!

تعدي الأيام، ومحروس يوصل أكياس مقفولة لناس في أماكن مختلفة، من غير ما يسأل عن محتواها. كل مرة ياخد أجره، يشتري لأمه دوا وأكل، ويحوش الباقي.

 

المشهد الثالث: القلق

بيت محروس – ليل

أم محروس بتحط العشا على الترابيزة.

الأم: ربنا يرضى عنك يا ابني. بس قولي، الفلوس الزيادة دي جت منين؟ إنت كنت بتشتكي إن الشغل قليل.

محروس: شوقي بيه شغّلني في توصيل طلبات يا أمي. الراجل جدع، وواقف جنبي.

الأم تسكت لحظة، وملامح القلق تظهر على وشها.

الأم: خلي بالك يا ضنايا. أخوك الله يرحمه، كان نفسه يعيش بالحلال. وأنا مش عايزة أخسرك إنت كمان.

محروس يطأطئ رأسه، وعينه تدمع لما يسمع سيرة أخوه.

محروس: أخويا مات يا أمي، وأنا لسه كل يوم بصحى مستني ألاقيه قاعد على المصطبة قدام البيت.. مش عايز غير أعيش وأشبعك وأريح قلبك.

الأم تحضنه، وهو يخبي دموعه في كتفها.

 

المشهد الرابع: الحقيقة المرة

شارع جانبي – ليل

محروس بيوصل مشوار جديد. وهو راجع، يسمع صوت شجار صادر من مخزن قديم، فيوقف التوكتوك بعيد شوية.

صوت شوقي جاي من جوه.

شوقي: الواد محروس ده كنز! بيوصل البضاعة وإيده نضيفة، والشرطة عمرها ما هتشُك فيه.

رجب، ضاحك: وأهبل كمان! لو عرف إن الأكياس دي شابو، هيفضل يصوت ويقول حرام!

شوقي: ما هو ده المطلوب. خليه فاكر نفسه بيشتغل شغلانة شريفة. ولو حد اتقبض عليه، يبقى هو اللي شايل الليلة!

محروس يتجمد مكانه.

رجب: على فكرة، الزبون اللي مات من كام شهر بعد الجرعة الزيادة، كان أخو الواد ده، مش كده؟

شوقي يرد ببرود:

شوقي: أيوه. وأخوه مات من البضاعة اللي إحنا بنبيعها. بس إيه يعني؟ اللي يموت يموت، والتجارة شغالة.

محروس يحط إيده على بقه عشان يكتم صرخته. دموعه تنزل، وإيده ترتعش.

محروس، هامسًا: إنتوا... إنتوا اللي قتلتوا أخويا؟

يرجع خطوتين، يخبط في علبة صفيح، فيطلع صوت.

رجب من جوه: مين بره؟\!

محروس يجري، يركب التوكتوك وينطلق بأقصى سرعة. شوقي ورجب يخرجوا، لكن يكون اختفى.

شوقي، بعصبية: الواد سمع حاجة! لو فتح بقه، هنخلص منه قبل ما يخلص علينا.

 

المشهد الرابع: الطيبة بتصحى

 بيت محروس – آخر الليل

محروس قاعد على الأرض، قدامه صورة أخوه، وبيعيط بحرقة. أمه تصحى على صوته وتخرج من أوضتها.

الأم: مالك يا حبيبي؟ إيه اللي جرالك؟

محروس: أنا السبب يا أمي! أنا اللي كنت بوصل لهم السم بإيدي، وأنا مش عارف. دول اللي كانوا بيبيعوا لأخويا، دول اللي كانوا سبب موته\!

الأم تضم راسه لصدرها.

الأم: إنت ماكنتش تعرف يا ابني. اللي بيعمل الغلط وهو عارف غير اللي اتضحك عليه.

محروس: بس أنا مش هسيبهم. مش عشان نفسي، عشان أخويا، وعشان كل أم قاعدة مستنية ابنها يرجع من الشارع ومش عارفة إنه ممكن يرجع لها في كفن.

الأم تمسك إيده بخوف.

الأم: أوعى تفكر تنتقم بإيدك يا محروس. أنا خسرت ابن، ومش هستحمل أخسر التاني.

محروس يبص لها، ثم يمسح دموعه.

محروس: حقه هيرجع يا أمي، بس المرة دي مش بإيدي... بالقانون.

 

المشهد الخامس: المكيدة

دوار العمدة – ساعة البدرية

العمدة عبد الرحيم قاعد على كرسيه، ومحروس قدامه، وشه شاحب وعينيه حمرا من السهر.

الحاج عبد الرحيم: إنت متأكد من الكلام اللي بتقوله يا محروس؟ دي مش لعبة عيال. دول ناس ممكن تأذيك.

محروس: سمعتهم بودني يا حاج. واعترفوا إن أخويا مات من البضاعة بتاعتهم. وأنا كمان كنت بوصلها لهم من غير ما أعرف.

الحاج عبد الرحيم، بحزم: طيب اسمعني كويس. إنت مش هتواجههم لوحدك، ومش هتعمل حاجة من دماغك. هنبلغ الحكومة بكل اللي تعرفه، ونسيبهم هما يتصرفوا.

محروس: بس لو عرفوا إني اتكلمت، هيهربوا.

الحاج عبد الرحيم: عشان كده لازم نتحرك بسرعة، وبطريقة قانونية، من غير ما نعرضك أو نعرض حد للخطر.

العمدة يطلب من أحد رجاله التواصل مع الأمن، ويشرح لهم ما عرفه محروس. يتفقون على أن يواصل محروس التعامل مع شوقي بشكل طبيعي، تحت إشراف رجال الشرطة، من غير ما يدخل في نقل أي مخدرات أو يواجه التجار بنفسه.

بعد ساعات، شوقي يتصل بمحروس.

شوقي: إزيك يا حبيبي؟ عايزينك في مشوار مهم الليلة. وهتاخد فلوس عمرك ما حلمت بيها.

محروس يبص للعمدة، اللي يومئ له أن يلتزم بالخطة.

محروس، متظاهرًا بالبساطة: تحت أمرك يا شوقي بيه. بس أنا محتاج الفلوس، أمي تعبانة ومصاريفها كتير.

شوقي: ولا يهمك يا حبيبي. الليلة هتبقى ليلة سعدك!

يقفل محروس المكالمة.

محروس، بصوت واطي: ليلة سعد مين يا شوقي؟ دي ليلة الحساب.

 

المشهد السادس: ساعة الحساب

ساحة مخزن مهجور – ليل

شوقي ورجب واقفين جوه المخزن، ومعاهم رجالة. متخيلين إن محروس جاي ينفذ مشوار جديد.

يدخل محروس، ووشه هادي بشكل غريب.

شوقي: أهو الواد الجدع وصل! فين الطلب اللي اتفقنا عليه؟

محروس يبص له في عينه لأول مرة من غير خوف.

محروس: قبل الطلب، عندي سؤال يا شوقي بيه.

شوقي: خير يا حبيبي؟

محروس: أخويا مات ليه؟

الابتسامة تختفي من وش شوقي.

شوقي: إنت بتقول إيه يا واد؟

محروس، وصوته بيتهز من الغضب: أخويا اللي مات من جرعة الشابو... إنت كنت عارف إنه بيموت، وكنت لسه بتبيع له! وأنا كنت بوصل سمك للناس بإيدي، وإنت بتضحك عليّا!

رجب يتقدم ناحيته بعنف.

رجب: إنت اتجننت؟ إنت فاكر نفسك هتعمل علينا راجل؟

محروس يتراجع خطوة، لكنه يثبت مكانه.

محروس: أنا مش راجل عليكم، ولا عمري كنت. أنا واحد غلبان ضحكتوا عليه. بس الغلبان لما بيفوق، بيبقى أصعب من اللي فاكر نفسه ذكي.

شوقي يضحك بتوتر.

شوقي: وإنت فاكر هتعمل إيه يعني؟ هتروح تشتكينا؟ ومين هيصدقك؟

فجأة، أصوات الشرطة تتعالى من الخارج.

صوت ضابط شرطة: الكل مكانه! محدش يتحرك!

رجال الشرطة يدخلون ويطوقون المخزن، ويقبضون على شوقي ورجب وباقي المتورطين، ويضبطون المواد المخدرة الموجودة بالمكان.

شوقي يبص لمحروس بصدمة.

شوقي: إنت اللي عملت كده يا ابن الـ...؟\!

محروس، والدموع في عينيه: أيوه، أنا. اللي كنتوا بتقولوا عليه أهبل وعبيط. بس أنا عمري ما كنت أعمى عن الحق، أنا بس كنت بصدق الناس.

رجب يحاول يفلت، لكن الضباط يسيطرون عليه ويقتادونه مع الباقين.

يظهر العمدة عبد الرحيم عند مدخل المخزن، ويبص لمحروس بفخر.

الحاج عبد الرحيم: الحمد لله يا ابني. الحق ساعات بيتأخر، بس عمره ما يضيع طول ما فيه ناس بتطالب بيه.

محروس ينظر إلى سيارة الشرطة وهي تتحرك، ثم يرفع عينيه للسماء.

محروس، هامسًا: حقك رجع يا أخويا... يمكن مت، بس أنا مش هسيب حد تاني يموت زيك.

 

المشهد السابع: الفجر الجديد

 أمام بيت محروس – صباح

محروس قاعد على التوكتوك، وأمه واقفة على الباب بتدعي له. أهل القرية بيتجمعوا حواليه من جديد.

عم حسن يقرب منه.

عم حسن: سامحنا يا محروس. كنا بنقول عليك عبيط، وإنت طلعت أنضف مننا كلنا.

محروس، بابتسامة حزينة: أنا مش زعلان من حد. بس يا عم حسن، الطيبة مش عيب. العيب إن الواحد يستغل طيبة غيره.

الحاج عبد الرحيم يقف وسط الأهالي.

العمدة عبد الرحيم: اسمعوا يا أهل البلد! المخدرات مش بتقتل اللي بيتعاطاها بس، دي بتقتل بيوت، وبتشرد عيال، وبتكسر قلوب أمهات. واللي فاكر إنه بيكسب من وراها، هو في الحقيقة بيبيع روح الناس وبيشتري هلاكه.

محروس يقبل يد أمه، ثم يشغل التوكتوك.

الأم: رايح فين يا ضنايا؟

محروس: "رايح أشتغل يا أمي. الحلال قليل، بس بركته كبيرة. وأنا خلاص اتعلمت إن اللقمة اللي فيها تعب أهون ألف مرة من الفلوس اللي فيها دم.. كانوا فاكرين إن الطيبة عبط، وإن الغلبان سهل يتلعب بيه... بس محدش فيهم فهم إن القلب الطيب ممكن يستحمل كتير، إنما لما يعرف الحقيقة، بيبقى عنده سبب يعيش عشانه... وسبب يقف في وش الظلم.. مش كل طيب ضعيف، ومش كل ساكت مش فاهم". 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة