ربما يكون من يُعرف باسم «جيل أكتوبر» قد سمع عن الحرب، أو قرأ عنها، وعرف تفاصيلها، ودرس سيرة القادة وسير المعارك، لكن ما أقصده بـ«جيل أكتوبر الفعلي» هو جيلنا الذي عاش في سيناء، وتحديدًا في مدينة القنطرة شرق، بدءًا من عام 1979، وامتد وجوده لنحو عشر سنوات، حتى عام 1989.
هذا الجيل الذي نشأ وتربى في قلب بقايا المعركة، هو الجيل الذي رأى بعينيه معنى الانتصار، وعرف معنى الحرب،هو الجيل الذي دخل الخنادق والدشم ولعب فيها، وهو الجيل الذي رأى أجساد الشهداء كما هي، لم تتحلل.
جيل أكتوبر من أبناء سيناء، والقنطرة شرق تحديدًا، تلك المدينة التي أصبحت في تاريخ لاحق إداريًا تابعة لمحافظة الإسماعيلية، شاهد الحقيقة بنفسه.
كان بيتنا قريبًا من قناة السويس، على مسافة نحو 200 متر، وبالقرب منه كانت المقابر التي ظلت مفتوحة، ولا يمكنني أبدًا أن أنسى هذا المشهد؛ طفل يلهو مع بقية الأطفال، ويركب فوق بعض الدبابات، ويلهو ببقايا المدافع وخردة الأسلحة الإسرائيلية، التي كانت تدل على عِظَم ما قامت به قواتنا المسلحة.
نزلت إلى المقابر، وكانت مليئة بأشجار النخيل التي كنا نقذفها بالحجارة، ثم نأكل البلح.
وفي مكان قريب من مقام الشيخ رويشد، في مقابر القنطرة شرق، رأيت عددًا من أجساد الشهداء كما هي ذهلت من المشهد؛ فقد مرت سنوات على وجودها في المقابر، ومع ذلك بقيت كما هي، في مقبرة كانت مفتوحة من أحد جوانبها.
كنت أسمع أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء، لكنني هذه المرة رأيت الأجساد بعيني كما هي. سبحان الله! جنودنا بزيهم العسكري كاملًا، وكأنهم رحلوا بالأمس.
ومن المشاهد الأخرى أن مدينة القنطرة شرق لم تكن تخلو من دانات المدافع، والدبابات، والألغام، وبقايا الطائرات والصواريخ والمدافع والعربات، وربما بقايا من معظم آليات الحرب. كانت كلها آثارًا وعلامات على الانتصار المصري العظيم.
وكانت تلك البقايا بالنسبة إلينا مصدرًا للهو، خاصة خلال إجازة الصيف، ولا سيما أن أغلب الأسرة انتقلت إلى محافظة الشرقية، وكنا نتعلم هناك في مدرسة قهبونة الابتدائية والإعدادية، بمركز الحسينية، وفي الصيف كنا نعود إلى القنطرة شرق، لنلعب ونسبح في قناة السويس، ونصطاد الأسماك والكابوريا بالقرب من مرسى اللنش الذى تحو الى معدية لاحقا.
كانت الحرب بالنسبة إلينا شيئًا نراه بأعيننا، ونلمسه بأيدينا، ونعيش وسط آثاره، وليست مجرد صفحات في كتاب أو صورًا في الصحف.
ولا تزال بقايا خط بارليف موجودة في مدينة القنطرة شرق، كما لا تزال بعض الدبابات الإسرائيلية التي استولت عليها قواتنا المسلحة موجودة أمام متحف القنطرة شرق، شاهدة على عِظَم الانتصار المصري.
نحن جيل أكتوبر الذي سمع ورأى وعاش وشاهد البيوت التي ما زالت آثار الطلقات ظاهرة على بعضها، وشاهدنا بأعيننا ما تركته الحرب خلفها، قبل أن تتحول تلك المشاهد إلى صفحات في كتب التاريخ.
وتظل مدينة القنطرة شرق شاهدًا حيًا على عظمة الانتصار؛ تلك المدينة التي شهدت واحدة من أشرس معارك حرب أكتوبر، والتي خاضت فيها قواتنا المسلحة قتالًا شرسًا لتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي.
كانت معركة تحرير القنطرة شرق من المعارك المهمة في حرب أكتوبر 1973، نظرًا إلى قوة التحصينات الإسرائيلية في المنطقة، والتي كانت تضم عددًا من النقاط الحصينة ضمن خط بارليف وقد تولت الفرقة 18 مشاة، بقيادة العميد فؤاد عزيز غالي، مهمة تحرير المدينة.
وبعد عبور القوات المصرية قناة السويس، بدأت عمليات حصار المدينة وتطهير النقاط الحصينة المحيطة بها، واستمر القتال العنيف داخل القنطرة شرق، بما في ذلك القتال في الشوارع والمباني، واستخدام السلاح الأبيض في بعض مراحل تطهير المدينة.
وفي 8 أكتوبر 1973، تمكنت الفرقة 18 مشاة من تحرير القنطرة شرق بعد حصارها من الداخل والخارج واقتحام مواقع القوات الإسرائيلية، وانتهت المعركة بالسيطرة على المدينة والاستيلاء على أسلحة ومعدات للعدو، من بينها دبابات، كما تم أسر 30 فردًا من القوات الإسرائيلية كانوا داخل المدينة. وأُذيع خبر تحرير القنطرة شرق مساء 8 أكتوبر، ليصبح هذا اليوم علامة بارزة في تاريخ المدينة وحرب أكتوبر.
ولذلك، فإن الحديث عن القنطرة شرق بالنسبة إلينا ليس حديثًا عن مكان شهد معركة فقط، وإنما عن بيت وشارع ومدرسة ومقبرة وقناة وأرض عشنا فوقها، وشاهدنا بأعيننا آثار الحرب والانتصار.
كل التحية لقواتنا المسلحة العظيمة، وكل التحية لكل قائد وضابط وجندي، ولكل مدني شارك في هذا الانتصار العظيم.
تحية إلى شهدائنا الذين صنعوا النصر، على رأسهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام.
وفي الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر المجيدة، تبقى القنطرة شرق شاهدًا حيًا على أن بعض صفحات التاريخ لا تُقرأ فقط، وإنما تُرى وتُلمس وتظل محفورة في ذاكرة الأجيال .