آفة حارتنا النسيان، كما قال نجيب محفوظ؛ لكن داءها العضال فى التناسى والتبسيط معا، واختزال المُركَّب فى ألوانه الأوّليّة، بغَضّ النظر عن التداخل والتعقيد؛ ثم الارتياح لتعريف القضايا بالأبيض والأسود فحسب.
والإنسان عموما كائن مُرتبك ومُربِك، شديد العمق والتناقض معًا، فما بالك عندما يشتبك مع الشأن العام، وتتخطّفه حسابات المكسب والخسارة، وما بينهما من هوى وأيديولوجيا، ومغانم تلوح له فيطاردها، ومغارم تطارده فيهرب ويتقيها ما وسعته السبل.
ما يزال عُمر الصدام مع الإخوان قصيرا، والدماء التى أراقوها بالإرهاب لم تجف بعد. يتحركون بكراهية حقيقية للبلد ومَن فيه، ويعتبرون أن لهم ثأرا مع الجميع بلا استثناء؛ حتى لو غازلوا فصيلا أو استتروا وراء راية تيار.
والغريب؛ أن الحداثة التى تُبقى عداوتهم طازجة، لم تشفع على الجانب الآخر لفريقٍ تآكلت ذواكرهم، وانصرفوا مبكرا عن واجب التصدى للجماعة على كل المستويات، وصد خطابها الأُصولىّ فى مادته الخام، وفى كل صورة يستعيرها وإن صُبغت بالوطنية والإنسانية وغير ذلك من شعارات.
ذاكرة الفئران للأسف، ما يسمح للضباع المتربصة أن تشق الصف، وتنتشر بين القطيع. وأن ترصد الثغرات فى جدار الحماية، وتوسعها، وتنفذ منها كلما تيسر لها. والمسؤولية هنا على الجميع قطعا؛ غير أنها أكبر على من يقفزون فوق السردية، ويمررون خطاب العدو بقصدٍ أو غباء.
الاندساس بين الصفوف، وإثارة اللغط تحت المظلة نفسها. صورة ناعمة من عمليات «العَلَم الزائف»، ليس بغرض تلفيق عملية ونسبتها للآخرين، إنما أن تبدو الفتنة نتاجا طبيعيا، تفرزه البيئة على ألسنة أهلها، وتنبع من خميرة المحبة والخوف؛ فكأن البيت ينشق على نفسه، وشهادة القريب أصدق وأعلى أثرا.
عُرِف تعبير «الطابور الخامس» للمرة الأولى فى زمن الحرب الأهلية الإسبانية. زحف أحد الجنرالات القوميين لحصار العاصمة مدريد فى أربعة طوابير، وتباهى بالخامس الذى ينخرها من القلب، ويعاونه على خلخلة الدفاعات المضادة وتقويضها من داخلها.
أما عن التطبيق؛ فقد رأيناه رأى العين بعد يناير 2011، وقد تفسّخت أنسجة الأحزاب والقوى السياسية، لتخرج من شرنقة بعضها فراشات عاشت كالدود فى طيات انتماءات مغايرة، وجاهرت بإخوانيتها عندما تلقت الأمر، أو صار الجهر مفيدا لها وللتنظيم.
أذكرُ أستاذًا جامعيًّا من الفيوم كان عضوا فى مجلس الشعب عن الحزب الوطنى؛ فصار فى زمن الانكشاف الردىء نائبا إخوانيا.
عناصر من اليسار واليمين، وآخرون بلا ملّة واضحة. خلايا نائمة فى كل زاوية نفضت عنها طين البيات الشتوى، وطفت على السطح، ثم ارتحلت مع الجماعة بعدما طردها الشعب فى 30 يونيو.
الليبرالى مثل أيمن نور، والناصرى أحمد حسن الشرقاوى، واليسارى الحقوقى أحمد سميح، وحذاء رخيص للحزب الوطنى مثل أحمد عطوان.
نصف شاعر كمحمد ناصر، أو ربع ممثل مثل هشام عبد الله.. مجرد أمثلة عابرة على مرتزقة، كانوا مدسوسين أصلا، أو استُئجروا لاحقا عند الحاجة.
وفيما قبل ذلك؛ فقد تحالف الناصريون مع الجماعة بعد الثورة، ودخلوا برلمان 2011 على قوائم الحرية والعدالة. وسبق للإخوان أن ترشحوا تحت مظلة حزب الوفد، واقتربوا من حزب العمل الاشتراكى، قبل أن يخترقوه ويفسدوه من الأعماق.
وإن رجعنا فى الزمن أكثر؛ فقد كان العيسوى الذى اغتال أحمد ماهر قبل ثورة يوليو، إخوانيا مزروعا فى الحزب الوطنى أو يدعى الانتماء له.
والمفارقة الأكبر؛ أن فرج النجار، حارس حسن البنا الشخصى، اخترق الحزب الشيوعى المصرى، وترقى فيه حتى صار الرجل الثانى فى هيكله بالدلتا.
ولا يجد بعض اليسار حرجا أو غضاضة فى أن يكونوا مطايا. أكثرهم بجاحة الاشتراكيون الثوريون؛ إذ يستعيرون تنظيره العمالى البريطانى كريس هارمان: «مع الإسلاميين أحيانا.. ضد الدولة دائما».
يُحدّثون بها ويمارسونها، فيما يعتمدها سواهم من بقية الأطياف بالفعل دون القول، مع زيادة فئةٍ فى التنظير انطلاقًا من منطق تروتسكى فى الاحتفاظ بالتمايز الثورى دون تفريط فى التنسيق مع بقيّة التيارات: «نسير مُنفصلين، ونضرب معًا».
الدين مُكوّن أصيل فى الهُويّة، ويتسلّط على أدمغة الأغلبية من القواعد الشعبية العريضة. والإخوان وسواها من جماعات رجعية استغلّوا الأمر، وصاروا حاضرين بالبنية والأذرع حينا، وبالأفكار والمُوالين فى أكثر الأحيان.
ما يجعل النغمة المُتكررة من أطيافٍ بعينها، عن استهجان الإشارة للإخوان فى كثير من الأمور؛ إما أنها من خِفّة العقل وقلّة الوعى، أو من الهوى المُغرض، ولأهداف مقصودة فى التعمية وإبقاء الذئب داخل الحظيرة.
وعلى سبيل الكوميديا الفاقعة، وأنهم سيفحمون المُختلفين طبعًا، يقول المُعترضون إن منطق التوسع يكاد أن يصل إلى تصنيف بعض الأقباط بالصفة الإخوانية؛ وكأن رفيق حبيب لم يكن نائبًا لرئيس حزب الحرية والعدالة، وقائمًا بأعمال الرئيس لاحقًا.
كما يُلمّحون بسذاجة واستعباط؛ إلى أن انتساب الجماعة لبعض الأفكار الشريفة ينسحب على تصنيفها؛ كأن ادعاء الوطنية أو النضال أو المعارضة سيغفر خطاياها.
لقد بنى المنافقون مسجدًا فى زمن النبى، وخرجوا معه فى غزوة تبوك؛ ليحاولوا قتله. لا عمارة بيوت الله منحتهم صكّ براءة، ولا الجهاد فى الغزوات أزال عنهم صفة النفاقّ!
والفارق عريض بين الأخونة انتماءً ومصلحة. التنظيم يفرز وينتقى، ولا يضمّ إلا من يشبهون خرافه الضالّة؛ أما المنافع فقد تعقد روابط مُعلنة وضمنية مع أشد التيارات اختلافًا، من أول التمايزات السياسية البسيطة، وإلى التناقض الأصيل فى الاعتقاد.
ولا نحتاج أكثر من النظر فى قائمة حلفاء الجماعة، قبل الثورة وبعدها، ومَن اصطفّوا معهم تحت القبة، وفى مؤتمر فيرمونت، وإزاء الإعلان الدستورى الساقط لمُرسى، وقُبيل 30 يونيو وبعدها، ومن يوم إطاحتهم حتى الآن.
كثيرون يكمن المرض تحت جلودهم؛ ولو استماتوا فى إنكاره. وآخرون دُفِعَت أثمانهم، وغيرهم قد يُحرّكم الكيد لخصومٍ فى الداخل، أو الضيق من حالٍ أو رجالٍ بعينهم، المُهم أن مَن يلعبون على أرضية الإخوان كانوا، طوال الوقت، أكثر عددًا مِمّن ينتمون فعليًّا للجماعة.
هكذا كان الوضع منذ نشأتها أواخر عشرينيات القرن العشرين، وطوال ما تبقّى من زمن الملكية، ومع نظام يوليو ابتعادًا واقترابا، ثم السادات ومبارك، وفوضى الثورتين، ومَن تضرروا من إسقاط المشروع الأصولى.. وما زالت السوق عامرةً، والمُرتزقة يعرضون أنفسهم صباح مساء.
ولا أتحدث عن واقعة أو أشخاص بعينهم؛ إنما عن الفكرة نفسها.. لا وشم على الجبهة يُبيّن الانتماء، وليس طبيعيًّا أن تُكشَف الأوراق كلها.
عرفنا صهاينة كثيرين بالممارسة، ومنهم من تظاهروا أمام السفارة المصرية فى تل أبيب، من دون أن يكونوا يهودًا. وليس شرطًا أن يكون الشخص إخوانيًّا مُنظّمًا، ليسكُن معهم الحظيرة، أو يتورّط فى شبهاتهم المُشينة.
العبرةُ بالمواقف والممارسات. لا يقبل العالم لليوم التصالح مع أفكار النازية، بينما يُطبّع البعضُ مع الإخوان وعداوتهم وكسرهم للرابطة الوطنية كأنها أشياء عادية، وبهذا وحده تُفرز الانتماءات.
لا يهم إن كُنت ليبراليًّا أو يساريًّا أو «صاحب كاس»؛ طالما لا تأخذ موقفا صريحًا من الإرهاب، وتتعمّد الرمادية، ولا تجد غضاضة فى الاتصال بالإخوان كأنهم كيان طبيعى.
سأستعير عبارة محفوظ؛ لأقول إن «آفة حارتنا الإخوان»؛ إذ خانوا الدين والوطن، وتاجروا بكل شىء بلا وازعٍ أو حياء.
يصطادون فى الماء العكر، ويُعكّرون صافيه. يتقصّدون دومًا أن يُورّطوا غيرهم، وأن يضعوهم فى مواضع الشبهات. يستدرجون الطيبيّن أو يبتزّونهم، ويحرّكون الأشرار، ويزايدون عليهما معًا.
حقيقة الجماعة معروفة للجميع، وهى مسجدٌ ضرار، بناه مُنافقون؛ لا يدخله العقلاء أصلاً إن عرفوا قصّته، ولا يبقى فيه بعد المعرفة إلّا الطابور الخامس.