محمد الطماوى

الرئيس السيسي واقتصاد القوة.. مصر أمام اختبار جديد

الأحد، 04 أكتوبر 2026 02:18 ص


يحسب للرئيس عبد الفتاح السيسي أنه يتعامل مع التحديات التي تواجه الدولة المصرية بمنظور يتجاوز إدارة اللحظة إلى محاولة بناء قدرة طويلة المدى على مواجهة الأزمات، وهذه واحدة من أبرز السمات التي تكشفها لقاءاته الأخيرة؛ فالرئيس لا ينظر إلى الاقتصاد بمعزل عن الأمن القومي، ولا إلى الصناعة بعيدا عن الطاقة، ولا إلى التعليم بمعزل عن التكنولوجيا، ولا إلى السياسة الخارجية منفصلة عن حركة التجارة والملاحة، وفي هذا الترابط تحديدا تكمن أهمية ما طرحه الرئيس خلال اجتماعه الموسع في 29 سبتمبر 2026، ثم اجتماعه في الأول من أكتوبر مع رئيس الوزراء ووزيري البترول والثروة المعدنية والصناعة، إذ انتقلت الرسائل من توصيف حجم الضغوط التي تعرضت لها مصر إلى البحث في كيفية بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وتقليل تعرضه للصدمات الخارجية.

الحقيقة أن السنوات الأخيرة فرضت على مصر بيئة دولية وإقليمية بالغة التعقيد؛ فمنذ عام 2020 تعاقبت جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تداعيات الحرب في غزة واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، بحيث لم يعد الاقتصاد المصري يعمل في ظروف مستقرة يمكن فيها فصل الداخل عن الخارج، وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي؛ إذ أشار الرئيس إلى خسارة مصر نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس خلال السنوات الأخيرة نتيجة الاضطرابات الإقليمية، وهذه ليست مجرد خسارة في إيرادات مرفق استراتيجي، وإنما دليل على أن الجغرافيا السياسية أصبحت جزءًا مباشرًا من الحساب الاقتصادي المصري؛ فاضطراب ممر بحري بعيد نسبيًا عن الحدود المصرية يمكن أن ينتقل إلى الموازنة والنقد الأجنبي والأسعار والاستثمار.

ومن هنا يمكن فهم إحدى أهم القضايا التي تفرض نفسها على المرحلة المقبلة، مصر لا تستطيع منع الأزمات الدولية، لكنها تستطيع زيادة قدرتها على امتصاص آثاراها، وهذا يفسر لماذا انتقل الخطاب الرئاسي من مجرد الحديث عن الصمود أمام الأزمات إلى التركيز على الاقتصاد الحقيقي؛ أي الصناعة والإنتاج والطاقة والتصدير والقيمة المضافة، ففي اجتماع الأول من أكتوبر، كان التركيز على التوسع الصناعي وتعميق التصنيع المحلي والتكامل في قطاع الطاقة، وهي ملفات تمثل في جوهرها محاولة للانتقال من اقتصاد يتأثر بشدة بتغيرات البيئة الخارجية إلى اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية أوسع.

وتكتسب هذه الرؤية وزنا أكبر إذا وضعناها أمام مؤشرات الاقتصاد المصري نفسها، فقد أشار صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة إلى نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، وبنسبة 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى، مع تقدير نمو السنة المالية كاملة بنحو 4.6%، لكن الصندوق، في الوقت نفسه، يتوقع تباطؤ النمو إلى نحو 4.4% في السنة المالية التالية، وهو ما يعني أن التعافي الاقتصادي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره نهاية للمشكلة، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء مصادر النمو على أسس أكثر استدامة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين معدل النمو وتركيب النمو، فليس المهم فقط أن ينمو الناتج، وإنما ما الذي ينتجه الاقتصاد، وما الذي يستورده، وما الذي يصدره، وما مقدار القيمة التي يضيفها داخل البلاد قبل أن يصل المنتج إلى السوق، ولهذا فإن تعميق التصنيع المحلي ليس شعارا اقتصاديا، بل قضية تتصل مباشرة بالعملة الأجنبية والتشغيل والإنتاجية والصادرات، كلما ارتفعت نسبة القيمة المضافة محليًا، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على توليد الدخل من موارده البشرية والمادية، بدل أن يظل جزء كبير من القيمة الاقتصادية مرتبطًا بواردات المدخلات والسلع الوسيطة.

وهذه النقطة تصبح أكثر إلحاحًا عند النظر إلى ملف الدين والتمويل، فصندوق النقد قدر الدين العام بنحو 91.1% من الناتج المحلي في السنة المالية 2025/2026، مع توقع تراجعه تدريجيا خلال السنوات المقبلة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى ارتفاع احتياجات التمويل الإجمالية، ومن ثم فإن زيادة الإنتاج والتصدير والاستثمار الخاص ليست مجرد أهداف تنموية بعيدة المدى؛ إنها جزء من المعالجة الاقتصادية لمشكلة التمويل، لأن الاقتصاد الأكثر إنتاجًا وقدرة على التصدير يستطيع توليد موارد بالعملة الأجنبية، بينما يساعد توسع الاستثمار الخاص على زيادة الطاقة الإنتاجية وتقليل الضغط على الدولة كمصدر وحيد للنمو.

ومن هذه الزاوية يصبح اجتماع الرئيس مع وزيري البترول والصناعة أكثر دلالة؛ لأن الطاقة والصناعة ليستا ملفين منفصلين، تكلفة الطاقة تدخل مباشرة في تكلفة المنتج، وبالتالي في قدرته على المنافسة في الأسواق الخارجية، وكلما كانت منظومة الطاقة أكثر كفاءة واستقرارا، أصبحت الصناعة أكثر قدرة على التخطيط والتوسع والتصدير، لذلك فإن ربط التعاون الإقليمي في الطاقة بالتوسع الصناعي والتصنيع المحلي يعكس محاولة لبناء سلسلة اقتصادية متكاملة، لا مجرد معالجة كل قطاع بمعزل عن الآخر.

وتملك مصر في هذا المجال ميزة جغرافية نادرة، لكن قيمة هذه الميزة لا تتحقق تلقائيا، فقناة السويس والموانئ وشبكات النقل والمناطق الصناعية ومشروعات الطاقة يمكن أن تعمل كمنظومة واحدة تجعل مصر مركزًا للإنتاج والخدمات اللوجستية والتجارة، وليس مجرد نقطة عبور للسفن والبضائع. الفارق الحقيقي هو أن تتحول البضائع التي تمر عبر مصر إلى فرصة لإنتاج جزء أكبر منها داخل مصر، عندما يصبح الموقع الجغرافي منصة للتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية والتصدير، تتحول الجغرافيا من ميزة ثابتة إلى مصدر متجدد للقيمة الاقتصادية.

لكن الاقتصاد لا يبنى بالمصانع وحدها، ولذلك كان لافتا أن يضع الرئيس التعليم والذكاء الاصطناعي ضمن الصورة الأوسع لبناء الدولة، فالعالم ينتقل بسرعة من اقتصاد يعتمد على العمالة منخفضة التكلفة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على المهارات والتكنولوجيا والإنتاجية، ومن ثم فإن الاستثمار في التعليم لم يعد ملفًا اجتماعيا فقط، وإنما أصبح استثمارًا في القدرة التنافسية للاقتصاد المصري نفسه، الجامعة التي تنتج المعرفة، والمدرسة التي ترفع المهارات، والشاب القادر على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، كلها عناصر في سلسلة الإنتاج الجديدة.

والأمر نفسه ينطبق على المياه، فحديث الرئيس السيسي عن التحلية والمعالجة وإعادة الاستخدام في ظل الضغوط المرتبطة بالموارد المائية يكشف أن الأمن المائي لم يعد قضية منفصلة عن الاقتصاد، المياه تدخل في الزراعة والصناعة والغذاء والصحة والاستقرار السكاني، وبالتالي فإن تنويع مصادرها ورفع كفاءة استخدامها يمثل استثمارًا في استمرارية النشاط الاقتصادي نفسه، وفي دولة تواجه محدودية مائية وضغوطًا سكانية وتنموية متزايدة، يصبح كل متر مكعب يتم توفيره أو إعادة استخدامه جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي.

أما الجبهة الداخلية، فقد تعامل معها السيسي باعتبارها عنصرا أساسيًا في قدرة الدولة على مواجهة الصدمات، مع التأكيد على حسن استغلال الموارد وترسيخ الثقة في المؤسسات وتحسين الخدمات وحسن معاملة المواطنين، وهذه النقطة تستحق قراءة مختلفة، لأن كفاءة الدولة لا تقاس فقط بحجم المشروعات التي تنفذها، وإنما أيضا بقدرتها على تقديم الخدمة للمواطن بسرعة ووضوح وعدالة، المواطن لا يختبر الدولة من خلال البيانات الرسمية فقط، وإنما يختبرها عندما يحصل على خدمة، أو يذهب إلى مدرسة، أو يتعامل مع مستشفى، أو يواجه موظفًا، أو يبحث عن فرصة عمل.

ولهذا فإن تحسين الأداء الحكومي ليس مسألة إدارية هامشية، وإنما أحد شروط بناء الثقة العامة. والثقة الاقتصادية تحديدًا لا تصنعها الرسائل وحدها؛ وإنما تنتجها القواعد المستقرة، والإجراءات الأسرع، والخدمات الأفضل، وزيادة فرص العمل، وتحسن الإنتاجية، وقدرة المؤسسات على معالجة المشكلات.

ومن هنا يمكن فهم حديث الرئيس عن القرى والتنمية المحلية، فوجود نحو 4500 قرية تضم نسبة كبيرة من سكان مصر يعني أن أي استراتيجية للنمو لا يمكن أن تظل محصورة في المراكز الحضرية الكبرى، الاقتصاد المصري يمتلك كتلة بشرية هائلة خارج المدن الكبرى، ويمكن تحويلها إلى قوة إنتاجية أكبر من خلال تحسين البنية الأساسية، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وربط الزراعة بالصناعات الغذائية، وتحسين الخدمات التعليمية والصحية واللوجستية.
وبذلك تتجمع أمامنا صورة مختلفة تماما عن مجرد «إدارة أزمة اقتصادية»، نحن أمام محاولة لإعادة تعريف عناصر القوة المصرية، الصناعة بدل الاعتماد المفرط على الاستيراد، التصدير بدل الاكتفاء بالسوق المحلية، القيمة المضافة بدل إعادة التداول، التكنولوجيا بدل العمالة منخفضة المهارة، كفاءة المياه والطاقة بدل استنزاف الموارد، والقطاع الخاص المنتج بدل الاقتصار على الاستثمار الحكومي.

وهذه هي النقطة التي تجعل الإشادة بأداء الرئيس في إدارة المرحلة أكثر ارتباطًا بالمضمون لا بالشعارات، فإدارة دولة بحجم مصر وسط هذا العدد من الصدمات الإقليمية والدولية ليست مهمة سهلة، لكن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يكون فقط القدرة على عبور الأزمات، وإنما تحويل الاستقرار الذي تحقق إلى قدرة إنتاجية مستدامة.

فالمشروعات والبنية الأساسية يمكن أن تغير شكل الدولة، لكن قيمتها الاقتصادية النهائية تتحدد بقدرتها على إنتاج عوائد مستمرة، والموانئ لا تصبح قوة اقتصادية إلا إذا زادت التجارة والخدمات والصناعة المرتبطة بها. والطاقة لا تصبح ميزة تنافسية إلا إذا دعمت الإنتاج. والتعليم لا يصبح استثمارًا حقيقيًا إلا إذا انعكس على الإنتاجية، وقناة السويس لا تستفيد مصر من موقعها فقط عبر رسوم العبور، وإنما عبر بناء منظومة صناعية ولوجستية وتجارية حول هذا الممر العالمي.

وهنا تتحدد معركة مصر الاقتصادية المقبلة: ليس المطلوب أن تختفي الصدمات من العالم، فهذا غير ممكن، وإنما أن يصبح الاقتصاد المصري أقل حساسية لها وأكثر قدرة على امتصاصها، وليس المطلوب فقط زيادة الناتج، وإنما تغيير تركيب هذا الناتج لصالح الصناعة والتكنولوجيا والتصدير والقيمة المضافة. وليس المطلوب فقط جذب الأموال، وإنما جذب الاستثمار الذي يخلق إنتاجًا وفرص عمل وأسواقًا جديدة.

لقد انتقلت مصر بالفعل من مرحلة بناء القدرة على مواجهة الأزمة إلى مرحلة اختبار القدرة على إنتاج القوة، وهذا هو الامتحان الأصعب.

فالنجاح الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن تقيسه التصريحات، وإنما أرقام الصناعة والصادرات والاستثمار والإنتاجية والتشغيل، وقدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية، وانخفاض الاعتماد على الواردات، وتحسن جودة الخدمات، وارتفاع قيمة ما ينتجه العامل المصري.

وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح جوهر الرسائل الأخيرة للرئيس السيسي واضحًا، حماية الدولة كانت ضرورة، أما تحويل هذه الحماية إلى اقتصاد أقوى وأكثر إنتاجًا وتنافسية فهو معركة المرحلة الجديدة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة