ما أسهل أن تختلط المفاهيم وتتداخل الحدود وتتشابك الآراء في أي قضية أو مشكلة أو حدث، حتى نكتشف أننا نعيش في غربة حقيقية وانها ليست وصفا لمغادرة الأوطان فقط. بل في اغتراب الروح عن فطرتها وسياجها الأصيل. واغتراب أفكارنا الأصيلة عمن يعيشون حلولنا.
الأبناء ليسوا مجرد كائنات تعيش معنا، بل هم صورتنا الحية، وامتدادنا الحقيقي في هذه الحياة. ومسؤوليتنا عن تربيتهم ليست مجرد واجب عابر، بل هي أمانة كبرى؛ فنحن نمتلك القدرة على توجيههم لنكون منهم أناسا واعين بكل ما هو صحيح وما هو خطأ، قادرين على التمييز بين الحق والباطل.
وتبدو هذه المسؤولية ملحة وأكثر خطورة في زماننا هذا، في ظل عالم ممتلئ بالمفاهيم الخاطئة والمغلوطة عن حقيقة الحياة وما وراءها؛ عالم يزخر بالشبهات والشهوات التي تزيف الحقائق وتصوّر الانفلات حرية والضياع تطورا.
وحين يُطرح مفهوم الحرية في غير مظلته السليمة، يتحول من طاقة للبناء إلى معول هدم. فكر معي في أشرف النعم وأعظمها؛ الماء، فهو أساس الحياة وبدونه يموت الكائن الحي، فإذا سُقي الزرع بقدر أثمر وأينع. ولكن.. ماذا يحدث حين يزيد الشيء عن حده وينقلب إلى ضده؟ حين يفيض الماء عن مجراه الطبيعي ولا يجد سدودا تحتويه، فإنه لا يسقي الأرض بل يجرفها، ويتحول من شريان حياة إلى طوفان غاشم يقتلع الأخضر واليابس. وكذلك هي الحرية؛ إن لم تضبطها قيم، ولم يحرسها وعي، ولم يقيدها المنهج الإلهي الذي فطر الله الناس عليه، انقلبت إلى ضدها لتصبح انفلاتا وفوضى عارمة تبتلع صاحبها.
إن أول خطوة نحو الهاوية تبدأ دائما بالاستهانة والتقليل من شأن الخطر. وحين يبدأ الإنسان -أو يُترك الابن- في التساهل مع الصغيرات من الانحرافات الفكرية، ويتقبل كل ما هو شاذ ومغلوط تحت شعار الأمر العادي أو الحرية الشخصية، فإنه يضع قدمه على أول طريق الضياع. والمشاركة في هذا الانفلات، سواء بالصمت أو بالتجربة أو بالتعايش معه، تعني ببساطة أنك تضع اللبنة الأولى في بناء شخصية مهلهلة ومتداعية. وفي خضم هذا الصراع، يطل علينا بين الحين والآخر من يروجون لخطاب مظلل؛ أولئك الذين يصدرون لنا ولأبنائنا فكرة أن التربية على الثوابت، والدين، والحدود، والتمييز بين الصح والخطأ، هي أشياء قديمة وعفا عليها الزمن! لكن الحقيقة التي يجب أن نعيها بوعي وبصيرة تامة، هي أن هؤلاء الذين يحاربون ثوابتنا ليسوا مصلحين، بل هم ممن يريدون بنا وبأبنائنا السقوط والضياع، وحين يصورون لك أن التمسك بالأصل والأخلاق والدين هو نوع من الرجعية، فهم يسحبون من تحت أقدامك الأرض الصلبة ليزجوا بك في رمال متحركة.
ولذا، فإن إطلاق الأبناء للخارج -إلى رحاب الحياة والمجتمع- لا ينبغي أن يكون إفلاتا أعمى أو تخليا عن المسؤولية، بل يجب أن يكون لأسباب وأهداف مدروسة بدقة، وفي وقت تعلم يقينا فيه أنه يستطيع العيش وقت كل التناقضات. إننا نخرجهم إلى العالم عندما نعلم يقينا أنهم باتوا يمتلكون من الوعي والصلابة ما يحميهم، وليست هذه الخطوة رفاهية للتسلية، بل محطة دقيقة تتطلب بناء متكينا مسبقا.
وحين ينتقل الشاب أو الفتاة إلى بيئة جديدة -كالسكن المشترك أو مجتمعات الاغتراب- بعيدا عن أعين الرقابة الحانية والتربية الرصينة، تبدأ المحكات الحقيقية؛ فإما أن تكون البوصلة الداخلية صلبة بما يكفي لمواجهة التيارات الجارفة، وإما أن يُستصغر المنكر ويُستملح الشاذ تحت تأثير رغبة الانتماء والقبول الاجتماعي، لتصل الفتاة أو الشاب إلى مرحلة يباركون فيها ما يخالف فطرتهم وهم غارقون في الوهم، ظانين أن السعادة تكمن في الذوبان الكامل في جرافات الثقافة الوافدة، غير مدركين أنهم يتنازلون شيئا فشيئا عن ملامحهم الإنسانية والروحية الأصيلة.
وتتوالى النتائج حتمآ لهذا التساهل؛ فنشهد حصادا مرا تمثل في شخصية مهلهلة من الداخل، هشة من الخارج.
إنسان يفقد قدرته على مقاومة الأفكار المتصارعة واختلاطها عليه، وتضيع بوصلته ليصبح كقطعة قماش مزقتها الرياح؛ لا هو يستطيع مقاومة التيارات، ولا هو يستوعب مكانا، بل يظل هائما في متاهة لا خلاص منها. والصدمة الأعظم هي حين تصل إلى نقطة تدرك فيها أن هذا الإنسان أصبح لا يستوعب، ولن تستطيع أن تعيده، وتضطر للأسف أن تتقبل فكرة أنه قد ضاع فعلا، ليمضي في حياته ويخرج منها دون أن يفهم حقا قيمة الحياة ولا ما بعد الحياة.