رفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منسوب التوتر مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، بعدما جدد تحذيراته من أن موسكو ستدافع عن أراضيها بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الأسلحة النووية، إذا تعرضت أراضيها لتهديد مباشر، في تصريحات أعادت الملف النووي إلى صدارة المواجهة الأمنية بين روسيا والغرب.
وجاءت تصريحات بوتين في الأول من أكتوبر خلال اجتماع نادي فالداي في موسكو، في وقت تتصاعد فيه التوترات حول جيب كالينينجراد الروسي، الواقع بين بولندا وليتوانيا العضوين في حلف الناتو. وقال بوتين إن روسيا لا تخطط لمهاجمة أي دولة أوروبية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن موسكو ستدافع عن أراضيها إذا تعرضت لهجوم، مؤكدًا أن الرد قد يشمل كامل ترسانة البلاد.
كالينينجراد في قلب الأزمة
تحولت كالينينجراد إلى نقطة حساسة في العلاقة بين روسيا والناتو، بسبب موقعها الجغرافي المنفصل عن باقي الأراضي الروسية ومحاذاتها لدول أعضاء في الحلف. وتتهم موسكو الناتو بإجراء تدريبات عسكرية والاستعداد، بحسب روايتها، لفرض حصار أو عزل للجيب الروسي، وهو ما نفته دول الحلف.
وكانت موسكو قد وجهت تحذيرًا دبلوماسيًا إلى الناتو بشأن أي محاولة لعزل كالينينجراد، مع الإشارة إلى احتمال اللجوء إلى الأسلحة النووية. ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» أن السفارات الروسية في عدد من الدول الأوروبية رددت التحذيرات نفسها، بينما أكدت موسكو أن موقفها يأتي ردًا على ما تعتبره تصعيدًا غربيًا.
وتكتسب المنطقة أهمية عسكرية خاصة بالنسبة لروسيا، فيما يواصل الناتو تعزيز وجوده العسكري على الجناح الشرقي للحلف، بما في ذلك منطقة البلطيق، في إطار إجراءات يقول إنها دفاعية وتهدف إلى حماية أراضي الدول الأعضاء.
الناتو يرفض التهديد النووي
ورد الأمين العام للناتو مارك روته على التحذيرات الروسية، مؤكدًا أن الحلف تحالف دفاعي، ودعا موسكو إلى وقف ما وصفه بالتهديد النووي، معتبرًا أن هذا الخطاب "غير مبرر وغير مفيد"
وفي تصريحات في 30 سبتمبر، قال روته إن الناتو تلقى ما أُعلن عن مضمون التحذير الروسي بشأن كالينينجراد، لكنه امتنع عن الكشف عن تفاصيل المراسلات، موضحًا أن رد الحلف كان التأكيد على طبيعته الدفاعية ورفض التهديدات النووية.
ويأتي ذلك في ظل استراتيجية أوسع للناتو لتعزيز قدراته الدفاعية، إذ يقول الحلف إنه رفع مستوى قواته على جناحه الشرقي، وزاد قدراته في الدفاع الجوي والصاروخي، كما عزز تدريباته وخططه الخاصة بالردع النووي والتقليدي.
وبحسب الناتو، ارتفع عدد مجموعات القتال متعددة الجنسيات على جناحه الشرقي من أربع إلى تسع، كما أطلق أنشطة عسكرية جديدة لتعزيز وجوده في الجناحين الشرقي والشمالي، إلى جانب خطط لتحديث قدراته العسكرية.
سباق الردع يتسع
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المواجهة بين موسكو والناتو لم تعد تقتصر على الحرب في أوكرانيا، وإنما باتت تشمل بصورة متزايدة الرسائل العسكرية والنووية المرتبطة بأمن بحر البلطيق والجناح الشرقي لأوروبا.
وفي المقابل، تؤكد موسكو أن تحذيراتها تأتي في إطار الردع ومنع أي محاولة لاستهداف أراضيها، بينما يرى الناتو أن روسيا تستخدم الخطاب النووي للضغط على الغرب والتأثير في قراراته العسكرية والسياسية.
وقال بوتين خلال حديثه في فالداي إن العالم يعيش «لحظة خطيرة»، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى عواقب كارثية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن موسكو لا تسعى إلى مهاجمة أوروبا وأنها تريد التعايش السلمي مع الدول الغربية.
من أوكرانيا إلى البلطيق
وتأتي هذه التطورات في وقت تدخل فيه الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، بينما تتواصل الضربات المتبادلة وتزداد المخاوف الأوروبية من اتساع نطاق المواجهة.
كما تتزامن مع تحذيرات أوروبية متزايدة بشأن أنشطة روسية توصف بأنها «هجينة»، تشمل الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والضغط على البنية التحتية، بالتوازي مع استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
ويضع التصعيد حول كالينينجراد أوروبا أمام معادلة أمنية شديدة الحساسية: فكل زيادة في الانتشار العسكري على جانبي الحدود تعني تعزيز الردع من وجهة نظر طرف، لكنها قد تُفسر من الطرف الآخر باعتبارها تهديدًا يستدعي ردًا جديدًا.
ولهذا تتركز المخاوف الحالية ليس فقط في احتمال استخدام السلاح النووي، وإنما في خطر سوء التقدير وسلسلة التصعيد التي قد تبدأ بأزمة إقليمية في بحر البلطيق، ثم تتوسع إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو.
وبينما يصر الطرفان على أن مواقفهما دفاعية، تبقى كالينينجراد واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخريطة الأمنية الأوروبية، في وقت تحاول فيه موسكو تثبيت حدود الردع النووي، بينما يعمل الناتو على تعزيز قدراته العسكرية وطمأنة دول جناحه الشرقي.