في الرابع من ديسمبر 2024، فقد الدكتور سعيد جودة ابنه مجد، الذي استشهد أثناء محاولته انتشال أقاربه من تحت الأنقاض، في لحظة واحدة، تحول الابن الذي كان سندا لوالده ورفيقه إلى اسم جديد في قائمة طويلة من الضحايا الذين خلفتهم الحرب في غزة.
العمل رغم الفقد
كان يمكن للفقد أن يكون سببا كافيا ليتوقف الدكتور سعيد، كان طبيب عظام، تقدم به العمر، وأصيب خلال الحرب، وفقد عددا من أفراد عائلته، ومع ذلك، لم يكن أمامه سوى أن يواجه وجعه ويمضي، ودع ابنه، واحتسبه، ثم عاد إلى مرضاه.
عاد إلى المكان الذي ظل ينتمي إليه طوال سنوات حياته المهنية، إلى الجرحى الذين كانوا ينتظرون طبيبا يخفف آلامهم، وإلى المستشفى الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مكان للعمل، بل مساحة لأداء واجبه الإنساني في واحدة من أكثر الظروف قسوة، كان وجعه حاضرا، لكن المرضى كانوا أيضا بحاجة إليه.
الطبيب سعيد جودة ونجله الشهيد
رعاية المرضى
بينما كانت غزة تعيش تحت وطأة الحرب، كان الدكتور سعيد يحاول أن يمنح المصابين ما يستطيع من رعاية، متجاوزا حزنه الشخصي وإصابته وتقدمه في السن، لم يغادر شمال غزة، ولم يترك المرضى الذين ارتبطت حياتهم بوجود الأطباء في الميدان.
كان ابنه مجد قد رحل وهو يحاول إنقاذ أقاربه من تحت الأنقاض، أما والده، فاختار أن يبقى بين الجرحى، فلم يكن ذلك يعني أن الفقد كان أقل ألما، أو أن الأب استطاع أن يتجاوز موت ابنه بسهولة، فعلى العكس، كان يحمل خسارته معه في كل خطوة، لكنه واصل عمله، وكأن رسالته الطبية كانت الطريقة التي يستطيع بها أن يواجه هذا الألم.
استشهاد الطبيب
مرت أيام قليلة فقط على استشهاد مجد، ثم جاء الرحيل الثاني، وأثناء توجه الدكتور سعيد لأداء واجبه الطبي، استشهد هو الآخر، رحل الأب بعد ابنه بفترة قصيرة، وكأن الحرب لم تكتف بأن تأخذ من العائلة ابنا، فامتدت لتأخذ الأب أيضا.
ترك الدكتور سعيد خلفه قصة تختصر الكثير من وجع غزة، طبيب فقد ابنه، وفقد أفرادا من عائلته، وتعرض للإصابة، ومع ذلك ظل متمسكا بمهنته وبالمرضى الذين احتاجوا إليه، كان يستطيع أن يرى في المستشفى مكانا للعمل، لكنه رأى فيه واجبا، وكان يستطيع أن يغادر، لكنه اختار البقاء.
لم تكن حياة الدكتور سعيد مجرد سنوات قضاها في مهنة الطب، بل سيرة إنسان أفنى جزءا كبيرا من عمره في إنقاذ الآخرين، ثم وجد نفسه في آخر أيامه واحدا من ضحايا الحرب التي كان يحاول طوال الوقت أن يداوي آثارها على أجساد الناس.
رحل مجد أولا، وهو يحاول انتشال أقاربه من تحت الركام، وبعده رحل والده، وهو في طريقه إلى أداء واجبه الطبي، وبين الرحيلين، بقيت حكاية أب لم تمنعه خسارته الشخصية من الاستمرار في علاج الآخرين، وطبيب ظل متمسكا برسالته حتى اللحظة الأخيرة.
رحل الأب، ورحل الابن، لكن سيرة الاثنين بقيت شاهدة على حجم الفقد الذي خلفته الحرب، وعلى أناس وجدوا أنفسهم يؤدون أدوارا أكبر من قدرتهم على الاحتمال، إنها حكاية طبيب ودع ابنه، ثم عاد إلى مرضاه، قبل أن تلحق به الحرب بعد أيام قليلة.