لم يكن السادس من أكتوبر يوما عاديا في الذاكرة المصرية، لأنه لم يضف إلى التاريخ صفحة جديدة فحسب، وإنما غير شعور وطن كامل تجاه نفسه، في ذلك اليوم، لم تكن المسألة مجرد قوات تعبر قناة السويس أو تحصينات يتم اقتحامها أو مواقع عسكرية تنتقل من يد إلى أخرى، وإنما كان المصريون أمام لحظة استعادوا فيها يقينهم بأن ما يبدو صعبا يمكن أن يصبح ممكنا عندما تتحول الإرادة إلى عمل، وعندما يصبح التخطيط طريقا إلى الفعل، وعندما يعرف الإنسان أن وراءه وطنا يستحق أن يبذل من أجله كل ما يستطيع، ولهذا بقي انتصار أكتوبر حاضرا في الوجدان، لأن الشعوب لا تتذكر انتصاراتها فقط، وإنما تتذكر اللحظة التي اكتشفت فيها قدرتها من جديد.
كان الطريق إلى أكتوبر طويلا، ولم تبدأ قصته يوم السادس من أكتوبر 1973، سبقت المعركة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة والتدريب والتخطيط والاستعداد، وتحولت آثار حرب 1967 إلى دافع لاستعادة القدرة والمبادرة، ثم جاءت لحظة العبور، فتحركت القوات المصرية عبر قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس الكباري شرق القناة، وبدأت مرحلة جديدة من الحرب لكن القيمة الأهم في هذه المشاهد ليست فقط في تفاصيلها العسكرية، وإنما في الرسالة التي حملتها: مصر عندما امتلكت القدرة والإرادة استطاعت أن تغير الواقع، وأن تنتقل من انتظار اللحظة إلى صناعة اللحظة.
ومنذ ذلك اليوم أصبح أكتوبر جزءا من الشخصية الوطنية المصرية، كل جيل يقرأه بطريقته، لكن المعنى الأساسي يبقى حاضرا؛ الوطن الذي استطاع أن يستعيد أرضه يستطيع أن يستعيد ثقته، والمجتمع الذي عرف كيف يجتمع حول هدف واضح يستطيع أن يحقق أهدافا جديدة، والإنسان الذي يؤمن بقدرته على الإنجاز يستطيع أن يغير واقعه، الاحتفال بانتصارات أكتوبر اليوم ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو استدعاء لقيمة ما زالت صالحة للحاضر: أن النجاح يبدأ من الثقة في القدرة، ثم يأتي العمل ليمنح هذه الثقة شكلا حقيقيا على الأرض.
وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة، ليس مطلوبا من الشباب أن يعيشوا ظروف أكتوبر أو أن يكرروا تجربة الحرب، وإنما أن يفهموا كيف صنع جيل سابق انتصاره، وأن يدركوا أن كل عصر له معركته، جيل أكتوبر كان أمامه تحرير الأرض، أما الأجيال الحالية أمامها العلم والعمل والإنتاج والتكنولوجيا وبناء الإنسان وحماية الوعي، وإذا كان الجندي المصري قد حمل سلاحه وعبر القناة دفاعا عن وطنه، فإن الشاب اليوم يستطيع أن يحمل أدوات العلم والمعرفة والعمل، وأن يجعل من موقعه جزءا من مسيرة وطنية أكبر، و بهذه الطريقة تتحول ذكرى أكتوبر من مناسبة سنوية إلى طاقة متجددة، ومن صورة في كتب التاريخ إلى معنى يعيش في سلوك الناس.
أكتوبر لم يمنح المصريين ذكرى للنصر فقط، وإنما منحهم درسا في القدرة، وهذا الدرس هو الذي يجعل المناسبة تتجاوز حدود التاريخ العسكري إلى مساحة أوسع من الوعي الوطني، كل إنجاز مصري جديد يمكن أن يحمل شيئا من روح أكتوبر؛ مشروع ينجح، وعالم يكتشف، وطالب يتفوق، وعامل يتقن عمله، ومؤسسة تطور أداءها، وشاب يقرر أن يصنع فرصته بدلا من انتظارها، ليست هذه تفاصيل منفصلة عن قصة أكتوبر، وإنما امتداد طبيعي لفكرة أساسية صنعت النصر نفسه: أن الإرادة حين تجد طريقها إلى العمل تصبح قوة قادرة على تغيير الواقع.
ولهذا سيبقى السادس من أكتوبر حاضرا في الذاكرة المصرية، ليس فقط لأن الجيش حقق فيه انتصارا عسكريا، وإنما لأن المصريين وجدوا في ذلك اليوم صورة لأنفسهم كما أرادوا أن يكونوا: قادرين، متحدين، واثقين في وطنهم، ومستعدين لدفع ثمن ما يؤمنون به، وهذه الصورة لا تنتمي إلى جيل واحد، لأن الوطن الذي ورث أبناءه أرضا محررة يستطيع أن يورثهم معها قيمة أهم: الإيمان بأن المستقبل أيضا قابل للصناعة، وبين جيل عبر القناة وجيل يبني المستقبل تمتد راية واحدة، عنوانها أن مصر حين تعرف هدفها وتثق في أبنائها وتمنح العمل مكانته، تستطيع دائما أن تفتح لنفسها طريقا جديدا نحو الإنجاز.
وفي ذكرى نصر أكتوبر المجيد، نتقدم بخالص التهنئة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإلى القوات المسلحة المصرية الباسلة، وإلى الشعب المصري العظيم، مستحضرين بكل الفخر والاعتزاز تضحيات أبطالنا الذين صنعوا نصرا خالدا في تاريخ الوطن، ومؤكدين أن روح أكتوبر ستظل مصدر إلهام للأجيال في العمل والبناء وحماية مقدرات الدولة وصناعة مستقبل يليق بتضحيات الشهداء وبطولات رجال القوات المسلحة.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها وجيشها، ورحم شهداء الوطن، وكل عام ومصر قيادة وشعبا وقواتٍ مسلحة بخير وعزة واستقرار.