لم تكن كل معارك السادس من أكتوبر أمام خط بارليف، ولم تكن جميع الأسلحة مدافع ودبابات وطائرات، خلف خط النار كانت هناك معركة أخرى صامتة، لا تقل أهميتها عن فتح الثغرات وإقامة الكباري: كيف يحصل آلاف المقاتلين على مياه الشرب بعد عبورهم إلى سيناء؟، فالجندي يستطيع حمل سلاحه وذخيرته، لكن جيشًا كاملًا يخوض معركة في الصحراء يحتاج إلى تدفق مستمر للمياه، والاعتماد على مئات الصهاريج كان يعني شيئًا بالغ الخطورة في ساعات العبور.. المزيد من المركبات على طرق مكتظة أصلًا بالدبابات والمدفعية ومعدات الكباري والقوات المتجهة إلى القناة.
من هنا بدأت واحدة من أقل حكايات حرب أكتوبر شهرة؛ شبكة للمياه وخزانات ومحطات ضخ أُعدت قبل الحرب، ثم وحدات هندسية تحركت مع بدء القتال لمد خطوط المياه إلى القوات، والمفارقة أن إسرائيل رصدت أجزاء من هذه الاستعدادات قبل الحرب، بل إن بعض محلليها ربطوها بإمكانية تنفيذ عبور مصري واسع لقناة السويس.
مشكلة قد تعطل جيشًا كاملًا
تكشف دراسة للباحثين جويل روسكين وإلياهو ديكل-دوليتسكي حول الاستعدادات الميدانية للجيش المصري لعبور قناة السويس بين عامي 1968 و1973، أن إمداد القوات المصرية بالمياه في ظروف الدفاع والتدريب العادية كان يعتمد على سيارات الصهاريج.
لكن عملية بحجم عبور قناة السويس خلقت مشكلة مختلفة تمامًا؛ إذ كان توفير المياه بهذه الطريقة يتطلب أعدادًا كبيرة من الصهاريج، بما قد يؤدي إلى ازدحام الطرق وإعاقة حركة القوات خلال عملية العبور.
وكان الحل هندسيًا: المياه هي التي ستذهب إلى الجيش بدلًا من أن يذهب جيش من السيارات لإحضار المياه.
وتشير الدراسة إلى أنه في عام 1972 تم مد خط للمياه بمحاذاة طريق الخدمة على الضفة الغربية لقناة السويس، بالتزامن مع إنشاء خزانات خرسانية للمياه ومحطات للضخ.
من صاحب فكرة شبكة المياه؟
على خلاف استخدام مضخات المياه في هدم الساتر الترابي، لا تكشف المصادر المتخصصة التي أمكن الوصول إليها اسم ضابط بعينه باعتباره صاحب فكرة إنشاء شبكة مياه الشرب.
وتنسب الدراسة القرار إلى التخطيط المصري لعملية العبور بعد إدراك المشكلة اللوجستية التي ستنتج عن الاعتماد على أعداد ضخمة من الصهاريج.
ومن ثم لا يصح، دون وثيقة أو شهادة عسكرية إضافية، منح شخص بعينه لقب «صاحب فكرة شبكة مياه الشرب»، بينما الثابت أن تنفيذ المنظومة ارتبط بالاستعداد الهندسي الشامل للعبور.
إسرائيل رأت الخزانات قبل الحرب
لكن أعمال الإنشاء لم تمر كلها بعيدًا عن أعين الإسرائيليين، فبحسب الدراسة، رصد فرع الاستخبارات الجغرافية الإسرائيلي من خلال الصور الجوية الخنادق والخزانات التي أُنشئت، واستعان محللوه بخبير في المياه لدراسة ما يجري على الجانب المصري.
وكان الاستنتاج لافتًا: شبكة المياه الجديدة يمكن أن تستخدم لخدمة الجيش المصري إذا تجدد القتال، أو في حالة تنفيذ عبور واسع لقناة السويس.
أي أن مؤشرًا لوجستيًا مهمًا على الاستعداد للعبور كان موجودًا بالفعل أمام الاستخبارات الإسرائيلية. لكن الدراسة توثق أيضًا خلافات داخل وحدات التحليل الإسرائيلية حول تفسير مجموعة من الاستعدادات المصرية ودلالاتها، وهو ما حال دون تحولها إلى تقدير استخباراتي شامل يحسم أن عملية عبور كبرى أصبحت وشيكة.
المواسير تتحرك مع القوات
عندما اندلعت الحرب في 6 أكتوبر 1973، انتقلت الخطة من المنشآت الثابتة إلى أرض المعركة، وتشير الدراسة إلى استخدام المصريين كتائب اقتحام هندسية متخصصة للمد السريع لمواسير مياه مرنة بين القوات المهاجمة والخزانات التي أُنشئت على الضفة الغربية، إلى جانب استخدام خزانات ميدانية مصنوعة من نسيج قوي مقاوم للمياه على خطوط الإمداد.
والأهم أن مد خطوط المياه لم يكن إجراءً مرتجلًا بعد بدء القتال؛ إذ تضمنت تدريبات العبور المصرية قبل الحرب إقامة الكباري وتجهيز وسائل اقتحام الساتر الترابي ومد مواسير المياه، بما يكشف أن مياه الشرب كانت جزءًا من سيناريو العبور نفسه.
صباح 6 أكتوبر.. حماية المياه قبل إطلاق النار
وتكشف شهادة اللواء مختار قنديل، أحد ضباط الفرع الهندسي بالجيش الثاني الميداني خلال الحرب، عن جانب آخر من أهمية المياه في حسابات ساعة الصفر.
ففي صباح 6 أكتوبر، وبناءً على أوامر قائد الجيش الثاني، تحرك ضابطان من المهندسين بصحبة أفراد ومهندسين من الري لإغلاق مدخلي ترعتي السويس وبورسعيد المتفرعتين من ترعة الإسماعيلية.
والسبب كان الخوف من استهدافهما إسرائيليًا؛ إذ كان ضرب الترع يمكن أن يؤدي إلى إغراق مدقات تحرك القوات ومواقع الاستعداد للعبور، كما أن قطع ترعة بورسعيد كان سيهدد مياه الشرب عن المدينة.
وفي الوقت نفسه، كانت وحدات المهندسين المكلفة بفتح الممرات وإقامة المعابر قد اتخذت مواقعها استعدادًا لساعة الصفر، وقدّر قنديل قوة الوحدات الهندسية التابعة للجيش بنحو 15 ألف فرد.
مياه للشرب.. ومياه تهدم بارليف
وهنا تظهر واحدة من أجمل مفارقات الحكاية، فبينما كانت منظومة تعمل على إيصال المياه إلى القوات، كانت مياه قناة السويس نفسها تستعد لأداء مهمة مختلفة تمامًا: فتح الطريق أمام هذه القوات.
وترتبط فكرة استخدام ضغط المياه لتجريف الساتر الترابي باسم اللواء مهندس باقي زكي يوسف، الذي استلهم الحل من خبرته السابقة في مشروع السد العالي، حيث شاهد استخدام المياه المضغوطة في تجريف كميات ضخمة من الرمال والأتربة.
وتقدم باقي زكي بالفكرة إلى قياداته، وأُجريت عليها تجارب قبل اعتمادها، حتى أصبحت مضخات المياه إحدى الأدوات الرئيسية لفتح الممرات في الساتر الترابي يوم 6 أكتوبر.
واللافت أن الجانب الإسرائيلي شاهد تدريبات مصرية استخدمت فيها خراطيم متصلة بمضخات قوية لضرب السواتر الرملية في منطقة البلاح، وتوصل محللون في الاستخبارات الجغرافية إلى احتمال ارتباطها بفتح ممرات في ساتر بارليف، إلا أن الدراسة تشير إلى أن هذا التفسير لم يحظَ بقبول أجهزة استخباراتية إسرائيلية أخرى.
المعركة التى لم تظهر فى الصور
اشتهرت مياه أكتوبر لأنها هدمت الرمال، لكن قصتها لم تنته عند الساتر الترابي. خلف الصور الشهيرة للمضخات كانت هناك مياه أخرى تسير في مواسير وخزانات ومحطات ضخ، وخطة هدفها أن يستمر المقاتل بعدما يصل إلى الضفة الأخرى.
وهنا تتجلى دقة التخطيط للعبور؛ فالحرب لم تكن مجرد تحديد لساعة الصفر أو ضربة جوية وتمهيد مدفعي وإقامة كباري، وإنما وصلت حساباتها إلى أبسط احتياجات الإنسان وأكثرها ضرورة.
في السادس من أكتوبر كانت المياه تؤدي مهمتين متناقضتين في الظاهر ومتكاملتين في الهدف: مياه تضرب الساتر الترابي لتفتح الطريق، ومياه تسير خلف المقاتلين لتساعدهم على البقاء في الميدان.
وبين الاثنين تكمن واحدة من أقل معارك أكتوبر شهرة؛ معركة بدأت قبل أن يعبر الجنود، وكان الانتصار فيها يعني ألا يصبح العطش عقبة خلف خط النار.