عادل السنهورى

عبرنا الهزيمة

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 09:28 م


كان هذا هو العنوان الأكبر لمعركة العبور العظيم والمعارك الكبرى التي خاضتها وانتصرت فيها قواتنا المسلحة الباسلة فوق أرض سيناء، مع ظهر يوم السبت 6 أكتوبر، العاشر من رمضان عام 1973.

على الرغم من مرور 53 عامًا على انتصارات أكتوبر المجيدة، لا تزال الذاكرة الجمعية للمصريين، جيلًا بعد جيل، تتذكره وتردده مع حلول الذكرى العطرة، والفضل يرجع إلى مقال أديبنا وكاتبنا الكبير توفيق الحكيم، الذي نشرته صحيفة الأهرام يوم التاسع من أكتوبر في صدر صفحتها الأولى بعنوان كبير: «عبرنا الهزيمة».

جاء عنوان المقال ليعبر عن التحول التاريخي الفوري من حالة اليأس وفقدان الأمل إلى روح النصر والعبور إلى سيناء.

لم يكن توفيق الحكيم يتوقع حرب أكتوبر أو يسمع ويرى الانتصارات المتلاحقة لقواتنا المسلحة في يوم السادس من أكتوبر، لكنه رأى بعينه مشهد الأسرى الإسرائيليين وهم يضعون رؤوسهم في الأرض ويحاولون إخفاء وجوههم عن كاميرات التصوير، فأمسك بقلمه وكتب مقالًا في «الأهرام» بعنوان «عبرنا الهزيمة»، يقول فيه:

«عبرنا الهزيمة بعبورنا إلى سيناء، ومهما تكن نتيجة المعارك، فإن الأهم الوثبة، فيها المعنى: أن مصر هي دائمًا مصر، تحسبها الدنيا قد نامت، ولكن روحها لا تنام، وإذا هجعت قليلًا فإن لها هبة، ولها زمجرة ثم قيام.

وقد هبت مصر قليلًا وزمجرت ليدرك العالم ما تستطيع أن تفعل في لحظة من اللحظات، فلا ينخدع أحد في هدوئها وسكونها.

وكانت يدها التي بدرت منها حركة اليقظة هي جيشها المقدام، بصيحة رئيسها الوطني بالقيام. سوف تذكر مصر في تاريخها هذه اللحظة بالشكر والفخر».

«نعم، عبرنا الهزيمة في الروح، وشعرنا أنه قد حدث ويحدث في داخلنا شيء. لقد كان جو الهزيمة جو سجن واختناق. والآن نحن نتنفس هواءً نقيًا، هواء الحرية والانطلاق، وهذا هو المعنى الحقيقي للانتصار، إنه ليس في مجرد كسب المعرفة الحربية، بل هو فيما يحدث في النفوس بعدها ونتيجة لها».

«إن الكسب الحقيقي للمعارك الحربية إنما هو في نوع الجهاد ودرجة البسالة وروح البطولة، وليس في مجرد الكسب المادي المعتمد على المعدات والآلات. ومكسبنا الباقي لنا دائمًا بعد اليوم هو في الروح التي انطلقت عن سجن الإحساس بالهزيمة، هزيمة النفس التي لم تقاوم ولم تجاهد، روحنا المنطلقة اليوم بعد جهادها البطولي هي التي سوف تتجلى غدًا في الأعمال الرائعة التي ينتجها الفكر المصري في مجالاته العديدة».

قرأ المصريون المقال، وقرأه معهم العبقري والموسيقي الفذ بليغ حمدي، وإلى جواره صديقه الإعلامي الكبير وجدي الحكيم، وبالقرب منهما الشاعر الكبير عبدالرحيم منصور. لم يقرأه بليغ قراءة عادية، وإنما قراءة موسيقية.. توقف أمام عنوان المقال في التو والحال: «عبرنا الهزيمة».

فجأة يقفز في الهواء ويقول لصديقه وجدي الحكيم، وهو يحاوره: «إيه رأيك يا وجدي لو عملنا الافتتاحية دي أغنية؟».

يبتسم الحكيم مندهشًا ومعجبًا ويقول: «فكرة ممتازة، وأهو عبدالرحيم منصور موجود»، وفي الحال تتحول الافتتاحية إلى أغنية تُكتب في لحظات، ويجلس بليغ وعبدالرحيم، ويتم اللحن، وقررا الذهاب إلى مكتب توفيق الحكيم بالأهرام للحصول على موافقته. وبالفعل وافق الأديب الكبير، خصوصًا بعدما علم أن الأغنية ستكون بصوت الفنانة شادية، التي ستخلد مقاله بصوتها الذي تهتز له قلوب المصريين.

استمع توفيق الحكيم إلى الأغنية، وكان سعيدًا باللحن والكلمات وأداء الفنانة شادية، كما شاهدها مصورة في التليفزيون، وأحدثت الأغنية نجاحًا مدويًا، وتلقى توفيق الحكيم العديد من التهاني من أصدقائه الكتاب والأدباء والقراء الذين قرأوا افتتاحيته في الأهرام.

وغنت شادية، وغنى معها المصريون والعرب، وغنى معها أيضًا الجنود على جبهات القتال:

«عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة
وباسمك يا بلادي تشتد العزيمة
باسمك يا بلادي عدينا القنال
باسمك يا حبيبتي مصر يا حبيبتي
أمي يا حبيبتي ح اسمى النضال»




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة