لماذا بدأت حرب أكتوبر فى الساعة الثانية ظهرًا؟

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 04:07 م
لماذا بدأت حرب أكتوبر فى الساعة الثانية ظهرًا؟ حرب أكتوبر

كتب محمد فؤاد

فى الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، انطلقت الطائرات المصرية نحو أهدافها فى سيناء، وبدأت المدفعية تمهيدها النيرانى على امتداد جبهة قناة السويس، لتبدأ واحدة من أهم المعارك فى التاريخ المصرى الحديث، لكن اختيار هذا التوقيت تحديدًا لم يكن مصادفة، كما لم يكن مجرد اختيار لساعة غير معتادة لمفاجأة إسرائيل، وإنما كان نتيجة دراسات طويلة شاركت فيها أجهزة وهيئات عسكرية، وارتبطت بطبيعة قناة السويس، وضوء النهار، وموعد حلول الظلام، والقمر والمد والجزر، إلى جانب ضرورة التوفيق بين ظروف الجبهتين المصرية والسورية.

وتشير الروايات العسكرية إلى أن الموعد المتداول باعتباره «الساعة الثانية ظهرًا» كان ساعة الصفر العامة للهجوم المصرى السورى، بينما تسجل مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلى بدء الهجوم فى الساعة 14:05، أى الثانية وخمس دقائق ظهرًا يوم 6 أكتوبر 1973، وتؤكد مذكرات الشاذلى أن الجيشين المصرى والسورى شنا الهجوم على طول الجبهتين فى هذا التوقيت.

 

الجمسى والبحث عن أفضل يوم وأفضل ساعة

كان المشير محمد عبد الغنى الجمسى، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها، أحد أبرز المسئولين عن دراسة التوقيت المناسب للحرب، ولم يكن المطلوب منه اختيار يوم فحسب، وإنما الوصول إلى توقيت يحقق أفضل الظروف الممكنة للقوات المصرية والسورية، ويضع القوات الإسرائيلية فى أصعب موقف ممكن.

وفى شهادة أدلى بها الجمسى قبل رحيله، قال إن المعتاد عند الهجوم فى وجود مانع مائى صعب مثل قناة السويس أن يبدأ الهجوم مع أول ضوء، حتى يتاح أكبر عدد من ساعات النهار للقوات المهاجمة، لكن القيادة المصرية لم تختر أول الضوء أو آخره، وإنما اختارت الثانية وخمس دقائق بعد الظهر، وهو توقيت وصفه بأنه «غير متوقع من جانب العدو».

ولم تتوقف الدراسة عند المفاجأة؛ إذ جرى فحص حالة القناة وسرعة التيار والمد والجزر، وطول الليل، وحالة القمر، وظروف الطقس، وطبيعة الأرض، وغيرها من العوامل التى يمكن أن تؤثر فى عبور عشرات الآلاف من الجنود وإنشاء الكبارى ومرور الدبابات والمعدات الثقيلة إلى سيناء.

 

مصر تريد الاقتراب من الليل.. وسوريا تفضل أول النهار

كانت إحدى أعقد المشكلات أن مصر وسوريا ستبدآن الحرب فى اللحظة نفسها تقريبًا، بينما اختلفت الظروف العسكرية على الجبهتين.

كانت الخطة المصرية تحتاج إلى قدر من ضوء النهار لتنفيذ الضربة الجوية والتمهيد المدفعى وبدء عبور المشاة، لكنها كانت تحتاج أيضًا إلى حلول الظلام بعد ذلك بوقت مناسب، حتى يعمل سلاح المهندسين على فتح الثغرات فى الساتر الترابى وإنشاء الكبارى فوق قناة السويس، وتبدأ المعدات الثقيلة والدبابات فى العبور فى ظروف تقل فيها قدرة الطيران الإسرائيلى على التدخل.

أما القيادة السورية فكانت تفضل بدء الهجوم فى وقت مبكر من النهار، بما يمنح قواتها ساعات أطول من الضوء للعمل على جبهة الجولان.

وتشير الروايات المنشورة عن اجتماعات القيادتين إلى أن الخلاف فى احتياجات الجبهتين أدى إلى البحث عن حل وسط، وانتهى الأمر إلى اختيار الساعة الثانية ظهرًا، بحيث تحصل القوات السورية على جزء من ساعات النهار، بينما تحصل القوات المصرية على الساعات المطلوبة لبدء العبور قبل أن يحل الليل.

 

ثلاث ساعات ونصف تقريبًا قبل آخر ضوء

كان الوقت المتبقى قبل حلول الظلام عنصرًا أساسيًا فى الحسابات المصرية؛ إذ كان المطلوب تنفيذ الضربة الجوية، ثم التمهيد المدفعى، ودفع موجات المشاة الأولى عبر القناة خلال النهار، على أن يبدأ العمل الأكبر فى إنشاء الكبارى وفتح الممرات مع اقتراب الليل.

وتشير الدراسات المنشورة عن التخطيط للحرب إلى أن اختيار التوقيت استهدف أن تكون ساعة الصفر قبل آخر ضوء بنحو ثلاث ساعات ونصف تقريبًا، وهى فترة تسمح بتنفيذ المرحلة الأولى من العملية فى الضوء، ثم الاستفادة من الظلام فى استكمال أعمال العبور ونقل المعدات الثقيلة.

وهنا يتضح أن الثانية ظهرًا لم تكن مجرد حل وسط سياسى أو عسكرى بين مصر وسوريا؛ وإنما كانت نقطة التقاء بين عدد كبير من الحسابات الميدانية.

 

الشمس نفسها دخلت فى الحسابات

كان اتجاه الشمس أيضًا من العناصر التى دخلت فى اختيار التوقيت، فوفق الهيئة العامة للاستعلامات، كان بدء الهجوم بعد الظهر يعنى وجود الشمس ناحية الغرب، أى خلف القوات المصرية المتجهة شرقًا، بينما تواجه القوات الإسرائيلية المدافعة اتجاه الشمس بدرجة أكبر، وهو ما يمنح القوات المهاجمة ظروف رؤية أفضل نسبيًا.

وكانت هذه الميزة مرتبطة تحديدًا بطبيعة الجبهة المصرية واتجاه الهجوم من غرب قناة السويس إلى شرقها، ولذلك لم يكن من الممكن النظر إلى عامل الشمس وحده دون مراعاة ظروف الجبهة السورية المختلفة.

 

لماذا كان حلول الليل مهمًا؟

عبور قناة السويس لم يكن مجرد انتقال جنود فى قوارب من ضفة إلى أخرى، فقد كان على وحدات المهندسين التعامل مع الساتر الترابى المرتفع على الضفة الشرقية، وفتح الممرات باستخدام مضخات المياه، ثم إنشاء الكبارى والمعديات التى تسمح بعبور الدبابات والمدفعية والعربات.

وكان استمرار هذه الأعمال لساعات طويلة فى وضح النهار سيجعلها أكثر تعرضًا للطيران الإسرائيلى، ولذلك كان اقتراب الظلام بعد الساعات الأولى للهجوم ميزة مهمة للخطة المصرية.

وتوضح الدراسات الخاصة بتحديد يوم الحرب أن ليلة العاشر من رمضان كانت كذلك ليلة مناسبة من ناحية الإضاءة القمرية، بما يساعد عمليات إنشاء الكبارى وحركة القوات بعد حلول الظلام.

 

توقيت لم يكن مألوفًا فى الحروب

كان اختيار الثانية ظهرًا يحمل عنصرًا آخر هو كسر النمط المتوقع؛ فالهجمات الكبرى كانت تبدأ تقليديًا مع أول ضوء أو قبل الغروب، ولهذا كان بدء حرب واسعة فى منتصف النهار أقل توقعًا.

وقال الجمسى فى شهادته عن اختيار ساعة الصفر إن التوقيت لم يكن أول النهار ولا آخره، وإنما الثانية وخمس دقائق بعد الظهر، وهو ما جعله توقيتًا غير متوقع بالنسبة للعدو.

وتؤكد وثائق أمريكية تعود إلى يوم الحرب نفسه أن مسؤولين عسكريين أمريكيين لاحظوا غرابة توقيت الهجوم، واعتبروا أن بدء العمليات فى وقت متأخر من النهار يمنح مصر وسوريا ميزة الاقتراب من الليل، حين تقل قدرة الطيران الإسرائيلى على العمل مقارنة بساعات النهار.

 

السادس من أكتوبر نفسه لم يكن اختيارًا عشوائيًا

كما كانت الساعة محسوبة، كان اليوم نفسه نتيجة دراسة، ووقع الاختيار على 6 أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393، والذى وافق يوم «يوم كيبور» أو عيد الغفران فى إسرائيل.

وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن دراسة العطلات الإسرائيلية كانت أحد العوامل فى اختيار اليوم، فى ظل اعتماد الجيش الإسرائيلى بدرجة كبيرة على قوات الاحتياط، إلى جانب اعتبارات الطقس وحالة القمر والمد والجزر والظروف المناسبة على الجبهتين المصرية والسورية.

غير أن عيد الغفران لم يكن السبب الوحيد، كما تختصر بعض الروايات الشعبية القصة؛ فالتخطيط كان أوسع كثيرًا، وجرى اختيار شهر أكتوبر من بين عدة بدائل بعد دراسة الظروف العسكرية والطبيعية والسياسية.

 

كراسة صغيرة حملت أحد أخطر أسرار الحرب

وترتبط قصة تحديد التوقيت أيضًا باسم العقيد صلاح فهمى، الذى كان يعمل فى هيئة العمليات، إذ تروى شهادات عسكرية أنه كُلّف بإعداد دراسة حول أنسب يوم وساعة للهجوم، وكتب التصور الأول على أوراق كراسة مدرسية تخص ابنته «حنان».

وبحسب ما رواه اللواء أركان حرب سمير فرج عن الواقعة، عُرضت الدراسة على اللواء محمد عبد الغنى الجمسى، ثم الفريق سعد الدين الشاذلى، فوزير الحربية أحمد إسماعيل، قبل وصولها إلى الرئيس أنور السادات، واستُخدمت الدراسة ضمن عملية تحديد موعد الهجوم والتنسيق مع الجانب السورى.

 

الساعة الثانية.. حين التقت الحسابات بالمفاجأة

وهكذا، لم تبدأ حرب أكتوبر فى الثانية ظهرًا لأن هذا التوقيت كان غريبًا فحسب، وإنما لأن القيادة العسكرية كانت تبحث عن لحظة تجمع عددًا كبيرًا من المزايا فى الوقت نفسه: ضوء يكفى لبدء العمليات والعبور، وظلام يأتى سريعًا لحماية أعمال إنشاء الكبارى، وظروف مناسبة للشمس والقمر والقناة، وتوقيت يمكن أن تعمل فيه الجبهتان المصرية والسورية معًا، إلى جانب عنصر المفاجأة.

وفى الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر السادس من أكتوبر، تحولت الدراسات والجداول والحسابات التى استغرقت شهورًا إلى عملية عسكرية حقيقية، حين عبرت الطائرات المصرية القناة، وبدأ التمهيد المدفعى، ثم اندفعت موجات المشاة إلى الضفة الشرقية، لتبدأ ساعات العبور التى غيرت مسار الحرب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة