قبل أكثر من 2400 عام، لم تكن فكرة الجامعة بالشكل الذي نعرفه اليوم قد ظهرت بعد، لكن في أثينا القديمة أسس الفيلسوف أفلاطون مؤسسة جمعت بين دراسة الفلسفة والرياضيات والفلك والسياسة والفيزياء وغيرها من الموضوعات، لتصبح أكاديميته أول جامعة في العالم وواحدة من أهم المؤسسات الفكرية في العالم القديم.
تأسست أكاديمية أفلاطون عام 387 قبل الميلاد في الضواحي الشمالية الغربية لأثينا، خارج أسوار المدينة، وحملت المنطقة اسمها نسبة إلى البطل الأسطوري أكاديموس.
تجمعات فلسفية صارت أكاديمية
كان لأفلاطون الدور الأساسي في نشأة الأكاديمية، إذ حصل أولًا على الأرض التي أقيمت عليها، وبدأ في عقد تجمعات غير رسمية لمناقشة القضايا الفلسفية مع عدد من أصدقائه والمفكرين.
وشارك في هذه اللقاءات مفكرون من بينهم ثيائيتتوس السونيومي، وأرخيتاس الطارنتي، وليوداماس الثاسي، ونيوكليدس، واستمرت النقاشات لسنوات، قبل أن يؤدي وصول عالم الرياضيات والفلكي إيدوكسوس القنيدي في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد إلى تحول هذه اللقاءات الي مؤسسة أكاديمية أكثر تنظيمًا.
ليست جامعة بالمعنى الحديث
لم تكن أكاديمية أفلاطون مؤسسة تعليمية بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكن تنوع الموضوعات التي تناولتها، إلى جانب طبيعتها التعليمية والفكرية، جعلها تُعد أول جامعة في العالم.
ولم يكن موقعها مخصصًا للتعليم وحده، فقد استخدمته جماعات أثينية مدنية ودينية من قبل، كما شهدت حدائقه سباقًا ليليًا بالمشاعل، يبدأ من مذابح في أثينا وينتهي عند مذبح بروميثيوس في حدائق الأكاديمية.
وكان الطريق المؤدي إلى الموقع تصطف على جانبيه قبور عدد من الأثينيين، كما أقيمت فيه ألعاب جنائزية ومرت به مواكب ديونيسية من أثينا إلى الأكاديمية ثم عادت إلى المدينة.
أفلاطون وأرسطو.. حوارات صنعت تاريخ الفلسفة
كان الأكاديميون يشكلون مجموعة فكرية محدودة، ولم يكن من يدرسون فيها يحملون بالضرورة لقب "طلاب" بالمعنى المعروف، وإنما كان هناك تمييز بين الأعضاء الأصغر والأكبر سنًا.
وكان من أبرز المنتمين إلى الأكاديمية أرسطو، الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الفلاسفة تأثيرًا في التاريخ.
واعتمدت طرق التعليم في الأكاديمية على المحاضرات والندوات، إلى جانب الحوار بين المعلمين ومن يشاركون في المناقشات، بما يعكس الطبيعة الفلسفية للمؤسسة وطريقة أفلاطون في طرح الأفكار ومناقشتها.
وفاة أفلاطون ومصير الأكاديمية
خلال فترة قيادة أفلاطون للأكاديمية لم يكن أعضاؤها يدفعون رسومًا مقابل الانضمام إليها، واستمرت المؤسسة في العمل لما يقرب من 200 عام بعد وفاته.
وقسّم ديوجين لايرتيوس، وهو كاتب سيرة لفلاسفة اليونان القدماء، تاريخ الأكاديمية إلى ثلاث مراحل، القديمة والوسطى والجديدة، ووضع أفلاطون على رأس المرحلة القديمة، وأركسيلاوس على رأس الأكاديمية الوسطى، ولاكيدس على رأس الجديدة.
لكن نهاية الأكاديمية جاءت مع الغزو الروماني لأثينا، ففي عام 86 قبل الميلاد، حاصر القائد الروماني لوسيوس كورنيليوس سولا المدينة واستولى عليها، ودُمرت الأكاديمية وسُويت بالأرض.
ولم تُفتح الأكاديمية من جديد بعد ذلك، لكن أثرها الفكري استمر، لتبقى تجربة أفلاطون واحدة من أبرز النماذج المبكرة للتعليم المنظم والحوار الفلسفي الذي جمع مجالات معرفية متعددة في مؤسسة واحدة.