النيَّةُ في ميزانِ الشرعِ: روحُ العملِ وقوامُهُ؛ إذ بها تتحدَّدُ القيمةُ الحقيقيَّةُ لكلِّ عملٍ يقومُ به الإنسانُ، فهي أساسُ اعتبارِهِ والاعتدادِ به شرعًا.
يقولُ المصطفى صلى اللهُ عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفقٌ عليه؛ صحيح البخاري، حديث رقم (1)، وصحيح مسلم، حديث رقم (1907)]. وهذا الحديثُ أصلٌ لقاعدةٍ فقهيَّةٍ كبرى، هي: «الأمورُ بمقاصدِها»؛ والتي تعني: «أنَّ الحكمَ الذي يترتَّبُ على أمرٍ يكونُ على مقتضى ما هو المقصودُ من ذلك الأمر».
فأعمالُ المكلَّفِ وتصرفاتُهُ، قوليَّةً كانتْ أو فعليَّةً، تختلفُ نتائجُها وأحكامُها الشرعيَّةُ المترتِّبةُ عليها باختلافِ مقصودِ الشخصِ وغايتِهِ وهدفِهِ من وراءِ تلك الأعمالِ والتصرُّفات.
فعلى سبيلِ المثالِ: مَنْ أمسكَ عن الطعامِ والشرابِ؛ فإنْ قصدَ بذلك حميةً، وهي الإقلالُ من الطعامِ والشرابِ لغرضِ التخسيسِ، أو استجابةً لأمرِ طبيبٍ، فهذا أمرٌ مباحٌ لا ثوابَ فيه ولا عقابَ. وإنْ قصدَ الموتَ جوعًا أثمَ. وإنْ أمسكَ بنيَّةِ الصومِ الشرعيِّ للهِ عزَّ وجلَّ أُثيبَ. [الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 8)، شرح القواعد الفقهية للزرقا (ص: 47)].
وكذلك الحالُ في أيِّ عملٍ أو مهنةٍ؛ فإنْ قامَ بها صاحبُها على أنَّها مجرَّدُ وسيلةٍ لطلبِ الرزقِ وتأمينِ المعاشِ فقط، فلا قربةَ في ذلك. وإنِ استحضرَ النيَّةَ الصالحةَ في توجيهِ عملِهِ أو مهنتِهِ إلى طاعاتٍ وقرباتٍ، أُثيبَ عليها.
فالنيَّةُ الصالحةُ تنقلُ العملَ المهنيَّ إلى محرابِ العبادةِ، التي لا يمكنُ بحالٍ اختزالُها في الشعائرِ التعبديَّةِ المحضةِ من صلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ ودعاء.
يقولُ العزُّ بنُ عبد السلام: «فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ، وَالنَّسْجِ وَالْغَزْلِ، وَالصَّنَائِعِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا بَقَاءُ الْعَالَمِ، وَدَفْعِ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ وَقَطْعِ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ، فَهَذَا لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، فَكَمْ مِنْ مُقِيمٍ لِصُوَرِ الطَّاعَاتِ وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهَا» [قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/178)].
وتتنوعُ النيَّاتُ الصالحةُ التي يمكنُ للمسلمِ أن يستحضرَها في عملِهِ اليوميِّ؛ لتتحوَّلَ مهنتُهُ من عادةٍ مجرَّدةٍ إلى عبادةٍ يُثابُ عليها.
ومن ذلك: أن ينويَ العبدُ بعملِهِ وكسبِهِ إعفافَ نفسِهِ وأهلِهِ عن سؤالِ الناسِ، وعمارةَ الأرضِ، ونفعَ الخلقِ، وغيرَ ذلك من القرباتِ التي يُبتغى بها وجهُ اللهِ وحدَهُ.
ففي الحديثِ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: "إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ"» [المعجم الأوسط للطبراني، حديث رقم (6835)].
نسألُ اللهَ تعالى سلامةَ النيَّةِ، والإخلاصَ في العمل.
وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونيَّة
وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر