في واحدة من أكثر الصور اختصارا لقسوة الحرب على غزة، ظهر مسعف يحمل بين ذراعيه رضيعة صغيرة، لا تتحرك ولا تبكي، بعدما توقف قلبها عن النبض، لم تكن الصورة لطفلة تنتظر العلاج، ولا لمصابة تبحث عن فرصة للنجاة، وإنما لجثمان رضيعة انتهت حياتها قبل أن تبدأ.
رضيعة بين يدي سائق الإسعاف
كانت الرضيعة هند خالد جحجوح بين يدي سائق الإسعاف، جسدا صغيرا لا يزال يحتفظ بملامح طفلة لم تعرف من الدنيا سوى بداياتها الأولى، لم تصل هند إلى العمر الذي يسمح لها بأن تنطق كلمتها الأولى، أو تخطو خطواتها الأولى، أو تنادي أمها بصوتها الصغير.
المسعف والرضيعة
استشهاد الرضيعة
في شمال غزة، حيث فرضت الحرب على المدنيين واقعا قاسيا، انتهت حياة هند تحت القصف، لتنضم إلى أطفال كثيرين وجدوا أنفسهم في قلب أحداث أكبر من أعمارهم، دون أن تمنحهم الحياة فرصة للنمو أو التعرف إلى العالم من حولهم.
كان يمكن لهند أن تكون اليوم بين ذراعي أمها، أن تنام في حضنها، وتبكي حين تجوع، وتضحك حين ترى وجها مألوفا أمامها، كان يمكن أن تنتظرها سنوات طويلة من التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة الأطفال، أول كلمة، أول خطوة، أول يوم في المدرسة، وأول مرة تنادي فيها أمها باسمها، لكن كل تلك البدايات لم تأت.
بدلا من ذلك، وجد المسعف نفسه يحملها في طريق مختلف تماما، يحمل طفلة صغيرة فقدت حياتها، بينما كان يفترض أن تكون مهمته إنقاذها ونقلها إلى مكان آمن، في الصورة، تبدو هند صغيرة إلى حد يجعل المأساة أكثر وضوحا، جسد رضيعة بين ذراعي رجل اعتاد التعامل مع الإصابات والحالات الطارئة، لكن المشهد هذه المرة لم يكن عن إنقاذ حياة، بل عن حياة توقفت قبل أن تأخذ فرصتها.
هند والحرب
لم تكن هند تعرف معنى الحرب، ولا القصف، ولا النزوح، ولا الخوف، لم تكن تعرف شيئا عن المكان الذي ولدت فيه أو الظروف التي أحاطت بها، كل ما كانت تعرفه، أو كان يفترض أن تعرفه، هو دفء الأم وحضن الأسرة وأمان البيت، لكن الحرب اختصرت كل شيء.
رحلت هند قبل أن تكبر، وقبل أن تتشكل ذاكرتها، وقبل أن يصبح لها عالمها الخاص وحكاياتها وأحلامها، لم تترك وراءها ذكريات طويلة، لكنها تركت سؤالا إنسانيا ثقيلا عن الأطفال الذين يدفعون ثمن صراعات لا يملكون فهمها ولا القدرة على النجاة منها.
أما المسعف الذي حملها، فلم يكن يحمل مجرد جثمان صغير، كان يحمل مشهدا تختصر فيه الحرب وجهها الأكثر قسوة، طفلة لم تحصل على فرصة للحياة، ورجل كان يتمنى أن تكون مهمته إنقاذها، وبين ذراعيه، بدت هند أصغر من أن تحمل كل هذا الألم، لكنها أصبحت، في لحظة واحدة، جزءا من حكاية أكبر من عمرها بكثير.
حكاية طفلة لم تعرف معنى الحياة طويلا، لكنها تركت وراء رحيلها صورة تختصر كثيرا من وجع الأمهات والعائلات التي فقدت أطفالها في الحرب، هند خالد جحجوح، رضيعة لم يمنحها العدوان الإسرائيلي الوقت لتكبر، ولم تترك لها فرصة لأن تقول كلمتها الأولى أو تخطو خطوتها الأولى أو تنادي أمها، رحلت قبل أن تبدأ الحكاية، لكن صورتها بين ذراعي المسعف تروي وحدها حكاية فقد لا تحتاج إلى كثير من الكلمات.