حين يراجع الواحد منا حياته يرى أن خطأه أكثر من صوابه، وأن لحظات الضعف فيه ليست قليلة، وأنه محتاج دائمًا إلى معنى يعيد له القدرة على البدء من جديد، من هنا يجيء اسم الله "الغفور" وهو من أكثر الأسماء اتصالًا بالتجربة الإنسانية، لأنه لا يتعلق فقط بمحو الذنب، بل بفتح باب الرجوع، وستر العيب.
اسم الله الغفور في القرآن الكريم، الاسم ثابت في القرآن الكريم ثبوتًا صريحًا، ومنه قوله تعالى "وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"، وقوله "وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ".
اسم الله الغفور في اللغة، أصل مادة (غ ف ر) يدل على الستر والتغطية، وقد نصت كتب التراث اللغوي على ذلك، فالموسوعة العقدية الناقلة عن ابن قتيبة والزجاجي تذكر أن "الغفور" من قولهم: "غفرت الشيء إذا غطيته" وأن الصيغة من أبنية المبالغة، أي أنه كثير المغفرة لعباده مرة بعد مرة، لا على سبيل الفعل العارض، بل على سبيل الاتساع والدوام. ولهذا فالغفور أبلغ من مجرد الغافر، لأن فيه معنى الكثرة والتكرر والسعة.
اسم الله الغفور في التفسير، يشرح ابن كثير قوله تعالى "وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ" بأن الله سبحانه ذو رحمة واسعة، ولو شاء أن يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجّل لهم العذاب، لكنه يمهل ويستر ويؤخر العقوبة لحكمة ورحمة. والقرطبي في تفسير الآية نفسها يوجز المعنى بقوله "أي للذنوب"، فيجعل الغفور متعلّقًا مباشرة بالآثام التي يقع فيها العباد، مع ما في ذلك من فتحٍ لباب الرجاء وعدم القنوط، أمّا السعدي فيقرر أن هذه الآية من دلائل سعة مغفرة الله ورحمته، وأنه لا يعاجل العصاة مع قدرته عليهم.
اسم الله الغفور في كتب العقيدة وشرح الأسماء الحسنى، يتوقف العلماء عند الفروق الدقيقة بين الغافر والغفور والغفار، فالموسوعة العقدية تنقل عن الزجاجي أن "غفور" صيغة مبالغة في الفعل، لأن الله يستر ذنوب عباده ويغفرها مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، وهذا يعني أن الاسم لا يدل فقط على أصل المغفرة، بل على دوامها وكثرتها واتساعها لكل من رجع وتاب، كما يقرر أهل العلم أن الحاجة إلى مغفرة الله شاملة لكل أحد، إذ لا يستغني عبد عن ستر الله وعفوه كما لا يستغني عن رحمته وكرمه.
وعند الإمام أبي حامد الغزالي في "المقصد الأسنى" يأتي اسم الغفور في سياق الأسماء المتقاربة في باب الستر والعفو، ويظهر فيه أن المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، وإبقاء باب الأمل مفتوحًا أمام العبد، ومن هنا نفهم لماذا يقترن هذا الاسم كثيرًا في القرآن باسم الرحيم أو بوصف ذو الرحمة، لأن المغفرة في التصور الإسلامي أثر من آثار الرحمة الإلهية.
وعليه فإن الإيمان باسم الله الغفور لا يدفع الإنسان إلى التهاون، بل إلى شيئين معًا، الحياء من الذنب، والرجاء في المغفرة، إنه الاسم الذي يردّ العبد من اليأس إلى التوبة، ومن الخوف المجرد إلى حسن الظن، ويعلمه أن الخطأ ليس نهاية الطريق ما دام الباب مفتوحًا مع ربٍّ وصف نفسه بأنه غفور.