حازم حسين

حمام وصقور وحروب رديئة

الأربعاء، 18 مارس 2026 02:00 م


لم يتخذ قرار الدخول فى الحرب؛ لكنه حسمها بأسوأ الطرق. ضغط على الزر الأحمر للمرة الأولى، والوحيدة حتى الآن؛ وترك للعالم ندبة كُبرى فى الوجه والقلب معًا!


اسمه هارى ترومان، وما كانت بدايته تشى بأنه سيكون صاحب اللمسة الأقسى فى الحرب العالمية الثانية. قنبلتان ذريتان على نجازاكى وهيروشيما، وعشرات آلاف الضحايا فورًا، وأضعافهم إلى اليوم.


سلفه فرانكلين روزفلت، القعيد بأثر مضاعفات شلل الأطفال، وصاحب الرقم القياسى فى سُكنى البيت الأبيض، بأربع انتخابات ربحها، وثلاث ولايات كاملة، وتعديل دستورى كان سببا فيه، ويحرم ترامب الآن من الحلم بالبقاء.


عاين روزفلت تصاعد خطر النازية منذ لحظتها الأولى. وكان قد تولّى منصبه، بالتزامن مع تنصيب هتلر مستشارا لألمانيا فى ذات الشهر والسنة.


وظل مُحايدًا؛ إلى أن استفزّته اليابان فى بيرل هاربر، فانخرط مع الحلفاء ضد دول المحور بدءا من ديسمبر 1941، وإلى رحيله بعد قرابة أربع سنوات، لم يُفكّر فى الذهاب إلى خيار يوم القيامة.


كان ديمقراطيا، وكذلك خليفته، الذى حافظ على رباطة الجأش لسبعة أشهر فقط؛ ثم فتح أبواب الجحيم!


والقصد من استعادة الحكاية؛ أن أصعب ما فى الحروب اندلاعها، وبعد ذلك يكون كل شىء سهلا وفى المتناول؛ حتى أعلى صور الجنون.


قبل سنة، لم يتخيل أحد أن ترقص إسرائيل على قبر المرشد الأعلى، وقبل اثنتين لم يكن ليَرِد على الخاطر أن تستبيح سماء إيران، وإلى ما قبل طوفان الأقصى مباشرة ما كانت لتتجاسر على التفكير فى دعوتها للرقص من الأساس.


لحظة الاشتعال؛ ومن بعدها لن تجد أسهل من انتشار النار فى حقل القشّ. ستُغذّى الحرائق نفسها، ويتساوى الأخضر واليابس، وأجنحة الحمائم والصقور؛ إذ تطير وتحطّ بالشَّرر!


جولتان مع الجمهورية الإسلامية بين صيف وشتاء تالٍ. وافق ترامب على الاثنتين: التحق بالأخيرة فى الخواتيم، وخاض الأولى من الفاتحة. مَنع نتنياهو سابقا من اغتيال خامنئى الأب بسبب الرمزية، وأقر تصفيته لاحقا للسبب ذاته.


ظل العجوز على مقعده لنحو أربعة عقود، وما كان لامعًا فى شبابه؛ ليكون مؤثرا فى شيخوخته.


اقتُنِص مع العلم بأنه لن يُؤثر على بنية النظام وأدائه فى الميدان؛ ولكن ليكون عبرة، ورسالة تحذير، مع العشم بأن يُؤثّر غيابه على سلسلة القيادة مؤقّتًا، ويُضعف الوارثين.


وبعد العمامة الأعلى؛ فلا كرامة لفقيه أو جنرال. أى لا فارق إن صح الوصول إلى مسؤول الأمن القومى، على لاريجانى، كما يزعم الصهاينة، أو لم يصح بحسب النفى الرسمى من طهران.


على قدر الصخب وكثافة النيران بين الجبهات؛ فما يُشَنّ على العقول والأبصار أكبر. طلقة فى الميدان، وألف على المنصات، وكل دانة تُقابلها صورة مُلفّقة أو فيديو بالذكاء الاصطناعى.


مات نتنياهو أم لم يَمُت؛ لن يُشكّل الأمر فارقًا. إنه الأكثر خبرة ودراية وتبجحا وبرودة أعصاب؛ لكنه ليس الأكثر تطرّفًا.


حُلفاؤه فى الائتلاف، منهم الذين يفوقونه فى قوميته ونزعته التوراتية، ومنافسوه من المعارضة لهم سوابق فى الحكومة ودولاب الدولة والمؤسسة العسكرية، ويدعمون غزواته الراهنة، وإن خلفوه فلا مسار إلا استكمال ما بدأه مع رأس المُمانعة وأذرعها فى المنطقة.


للدولة العبرية تاريخ قصير، وذاكرة طويلة، ممتدة، ومحكمة الحلقات.


يُعوّضون عن حداثة الوجود بتجذير السردية المُلفقة، عن باطلهم بالتفنن فى التنكيل بأى حق، وعن الضآلة بالمأسسة والسباحة فى دماء الأغيار بحماسة جماعية لا تقبل التلكّؤ والصراعات البينية.


النكبة سبقت ولادة نتنياهو بأكثر من سنتين، وفى النكسة كان مُجنّدًا فى آخر الصفوف. المذابح الكُبرى أدارها اليسار، بن جوريون وجولدا وأشكول ورابين وبيريز، مع فروق شكلية تافهة عن بيجين وشامير وشارون حتى الضباع الحالية.


افتعل حزب الله حربا فى 2006، وشريكه اليسارى الفاسد أولمرت. ابتُكِرت عقيدة الضاحية تحت عباءة غير يمينية، ويُعاد إنتاجها الآن فى سياق اللوثة الكاملة، وتكاد لا تختلف المُقدمات والمآلات.


حل مُجتبى بديلاً فى المُرشدية. يُقال إنه أكثر مُحافظةً من أبيه، وكان الوالد مُتشدّدًا بالقياس إلى السلف الأول، روح الله الخمينى: على منحنى واحد يتدحرج البلدان، من سيئ إلى أسوأ.


فى الفاصل بين حربى يونيو وفبراير، كان ترامب يمنّ على خامنئى بأنه أوقف قتله. كأن البرزخ بين الأحياء والأموات؛ أن القاتل يُرجئ القرار، أو لم يُحاول من الأساس.


الحروب كلها رديئة، وتزداد رداءة مع مُحاربين أقل خبرة أو أكثر تطرفا: مع التغيير من الداخل حينا، ومن الخارج فى غالب الأحيان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة