عصام محمد عبد القادر

رمضان.. مرفأُ الوداع

الأربعاء، 18 مارس 2026 04:00 ص


حين تشرف شمس رمضان على الغروب، لا نشعر أننا نطوي مجرد أيامٍ من التقويم، بل نحسّ كأنَّ قنديلاً سماوياً كان يغمر زوايا الروح بالسكينة بدأ يتوارى؛ فهذا الشهر لم يكن زمناً عبر، بل كان انعتاقاً انتشلنا من سجن العادات الرتيبة إلى رحابة الروح المتصلة بخالقها؛ لذا، يترك رحيله في الصدور لوعةً صامتة، وارتجافة هيبةٍ تشبه شجن المحب حين يودع من أحيا في عروقه الأمل، وترك خلفه فراغاً لا يملؤه إلا انتظار العودة.

يقف العبد في ختام رحلته مع رمضان وقفة المتهيب الذي يتأمل حصاد زرعه؛ فلا يرى في الوداع إسدالِ ستار، بل يقظةً حارقة تنفض غبار الغفلة، وتجدد حنيناً جارحاً لتلك الحياة التي تذوقها؛ ثم يمضي عائداً إلى ضجيج الحياة بقلبٍ يرتجف بين رجاء القبول ورهبة التقصير، متشبثاً بأنوار الطاعات التي غزلها في خلواته؛ لتكون له قنديلاً يكسر عتمة أيامه، وزاداً لا ينفد في طريق سفره نحو الله تعالى جل في علاه.

مع اقتراب لحظات الوداع، يمتزج في قلب المؤمن رجاء القبول بخوف التقصير، في مشهدٍ تذوب فيه كبرياء النفس أمام عظمة الخالق؛ حيث تختفي زهوة الطاعات خجلاً من جلال الله تعالى، ويتحول هذا القلق الصادق إلى حصنٍ يحمي القلب من الغرور أو الشعور بالكمال؛ فالمؤمن لا يخرج من هذا الشهر بظن أنه أتمّ الحق ووفّى السعي؛ لكنه يخرج بروح المجتهد الذي يرجو القبول وهو يذرف دمع المعتذر.

يأتي رمضان ليكون للروح وطناً آمناً يهرب إليه الإنسان من ضجيج المادة وصخب الاستهلاك الذي أرهق نقاءه؛ ليعيد ترتيب قلبه من جديد، وفي لحظات الوداع، يشعر المؤمن كأنه يتحرر برقة من قيود عاداتٍ كبّلت روحه طويلاً، بعد أن غسل الصيام والقيام ما علق بنفسه من كدر؛ لذا، لا يعدُّ الرحيل مجرد نهاية؛ لكنه عهدٌ صادق يُكتب بدموع الرجاء، ليكون ميثاقاً غليظاً بين العبد وربه على الاستقامة.

المسافر الراحل عن ضفاف هذا الشهر الكريم، لا يليق به أن يعود بقلبه مثقلاً بنفس الهموم والخطايا التي جاء بها؛ إذ عليه في لحظة الوداع أن يجعل من نور تلك الساعات التي قضاها في مناجاة ربه خريطةً ترشد خطاه فيما هو قادم؛ فالمؤمن الحق يخرج من رمضان بقلبٍ صافٍ كالمرايا، وروحٍ ولدت من جديد في ظلال المغفرة، يمضي في الحياة بعزمٍ لا ينكسر، ويقينٍ يملأ الأفق، يصحبه في كل خطوةٍ يخطوها.

وداع رمضان ليس مجرد لحظة زمنية نتركها خلفنا، كونه شعلةُ نورٍ نحملها في قلوبنا كي تضيء لنا بقية الطريق؛ فالعبرة الحقيقية من هذا الفراق لا تكمن في دموع الوداع وحدها، بل في صدق البقاء على العهد مع الله تعالى، والحفاظ على ذلك النقاء الذي غسل أرواحنا؛ ليبقى أثر الشهر نبضاً حياً في سلوكنا، وعزماً لا يضعف في مواجهة ضغوطات وتوترات الحياة.

إذا كان رمضان قد رحل كأيامٍ معدودات، فإن روحانيته يجب أن تبقى منهجاً للحياة ونقاءً لا يغادر الروح؛ لتكون هي الموجه للسلوك والنور الذي لا يضل في زحام الفتن، وهكذا يتحول الوداع من لحظة حزنٍ وانكسار إلى نقطة انطلاقٍ شموخ نحو الاستقامة والسمو، وتظل أصداء تلك الأيام المباركة تتردد في أعماق النفس كأنشودة سماوية، تمنحها الصبر على مشاق الطريق، حتى يحين اللقاء الأبدي بخالق النور ومنتهاه.

اللهم اجعل ما قضيناه في رمضان زادًا لنا على طريق الطاعة، واغسل قلوبنا من غبار الغفلة، وثبتنا على ذكرِك وشكرِك، وارزقنا أن نحتفظ بروح الرمضانية في أيامنا كافة، ووفقنا لخير ما رضيت، واجعل وداع هذا الشهر المبارك بداية لرحلة جديدة نحو القرب منك، يا أرحم الراحمين.

___

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة