مَلْحَمَةُ سِفْرِ الخُلُود
فَاضَتْ مَراجِلُ هَذَا الرَّدَى.. حِمَما
وَتَسَعَّرَ البَارُودُ فِي حَقْلِ المَدَى..
أَرْخَى عُبَابُ الطُّوفَانِ سِتْرَهُ..
فَوْقَ المَلامِحِ وَالخَلْقِ..
سُفُنُ الأَعَاجِمِ فِي لُجَّةِ المَوْجِ غَصَّتْ..
وَنَابُ القَحْطِ فِي الأَحْشَاءِ.. جَارَا!
وَمِنْ قَلْبِ هَذَا المَاءِ..
وَمِنْ شَهْقَةِ النَّارِ..
تَجَلَّتْ "مِصْرُ".. صَرْحَ نُورٍ سَرْمَدِيّ..
فَيَمَّمَ الطَّيْرُ شَطْرَ المَأْوَى.. الأَمِينْ!
تَوَسَّدْتِ المَدَى شَمْساً.. وَكَوْناً
لِأَنَّ الفَجْرَ مِيلادٌ.. وَمِيلادُهُ هُنَا..
سَبَكُوا مِنْ طِينِ النِّيلِ.. نُجُومَا
أَشَادُوا.. حِينَ كَانَ التِّيهُ لَيْلا
رَوَّضُوا بِالصَّبْرِ خَيْلَ السِّنينْ..
فَخَطَّ "سِفْرَ الخُلُودِ".. بِمِعْوَلِ فَلَّاحْ
فَلَمَّا اسْتَقَامَ لِهَذَا الصَّرْحِ.. رِفْعَتُهُ
أَقَامَ "الرَّبُّ" فِيكِ.. هَيْبَةً وَيَقِينْ!
يَا كَعْبَةَ الأُمَمِ.. وَقُدْسَ أَقْدَاسِي
تَجَلَّى "الحَقُّ" عَلَى طُورِهَا..
فَأَوْرَقَ المَدَى نُوراً.. وَطَابَ الثَّرَى!
أَزْهَرَ نَبْضُ الضِّيَاءِ فِي رَحِمِ العَدَمْ..
وَسَبَّحَ صَمْتُ الصَّخْرِ.. لِطُورِ الجَلالْ!
فَمَنْ ذَاقَ طُهْرَ الأَدِيمِ.. حَمَاهَا..
بِعَيْنِ صَقْرٍ.. وَبَأْسٍ لا يَلِينْ!
وَمِنْ كِبْرِيَاءِ الثُّغُورِ.. اسْتَفَاقَ "الأُبَاةْ"
كَواسِرٌ.. صَاغُوا مِنَ المَوْتِ.. صَرْحَ الحَيَاةْ
هُمُ المَدُّ حِينَ يَثُورُ العُبَابْ..
كُمَاةٌ.. أَضَاءُوا لِلْغَدِ.. دَرْبَ الرَّجَاءْ
تَنَامُ القُرَى فِي أَمَانٍ.. عَلَى أَكْتَافِهِمْ
عِبَادَتُهُمْ.. أَنْ يَظَلَّ التُّرَابُ.. طَهُوراً
وَفِي صَخْرِ هَذِي الفَلاةِ.. صَلاةُ البَقَاءْ!
وَمِنْ صُلْبِهَا.. قَامَ لِلرَّكْبِ "قُطْبُهُ"
حَكِيمٌ.. رَأَى العَصْفَ بَحْراً.. فَثَبَّتَ وَجْهَ السَّفينْ!
بِيَدٍ.. حَمَى الحِمَى مِنْ كُلِّ مَارِقْ..
وَبِيَدٍ.. أَحَالَ الفَقَارَ.. جَنَّاتِ نُورْ.
بَنَى لِلْغَدِ الحُرِّ جِسْراً.. مِنْ عَرَقِ الصَّبْرِ
أَحْيَا المَوَاتَ.. فَصَارَتْ صَحَارِي المَدَى.. نَضِرَة!
مَضَى.. وَالحُرُوبُ تُحَاصِرُ كُلَّ المَجَارِي..
لِيَغْرِسَ فِيكِ الأَمَانَ.. وَيَعْلُوَ بِسَقْفِ الحَيَاةْ!
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ عَلَى "الجُودِيِّ" رِحْلَتُهُ..
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ عَلَى "الجُودِيِّ" رِحْلَتُهُ..
غَدَوْتِ المَلاذَ.. وَبَرَّ الأَمَانْ!
مِصْرُ.. يَا مَنْ سَقَى النِّيلُ مِنْ كَفِّكِ.. الوجُودَ زُلالا!
وَمِنْ صَبْرِ أَهْلِكِ.. صِيغَ لِلصَّبْرِ.. مَعْنًى وَحَالا!
فَمَا كُنْتِ يَوْماً.. حُدُوداً.. وَرَسْماً..
وَلَكِنْ.. بِقَلْبِكِ.. تَحْيَا الأُمَمْ!
سَتَبْقَيْنِ.. رَغْمَ العَوَاصِفِ.. عَهْداً..
وَرَايَةَ حَقٍّ.. تُطِيلُ الأَمَلْ!
يَا مِصْرُ.. إِنَّا عَلَى العَهْدِ.. دَوْماً
لِتَبْقَيْ مَنَاراً.. وَعِزاً.. وَدَاراً
وَيَحْيَا "وَطَنِي".. بِسِفْرِ الخُلُودِ..
نَقْشاً.. عَصِيّاً.. عَلَى الانْكِسَارْ!

الشاعر على مقلد