الحرب لها خطابها الخاص، وأحيانا ما يكون خطابا ليس له علاقة بالواقع، بل يقوم على استدعاء ما يساعد فى التأثير فى متلقى الخطاب، حتى إن لم يكن ذلك حقيقيًا، ومن ذلك ما قام به بنيامين نتنياهو رئيس وزراء جيش الاحتلال عندما استدعى اسم السيد المسيح فى خطابه لتبرير الحرب على إيران، ففى مؤتمر صحفى قال نتنياهو "إن المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان، لأنه إذا كنت قويًا بما يكفي، وقاسيًا بما يكفي، وذا نفوذ، فإن الشر قد يغلب الخير، والعدوان قد يغلب الاعتدال"، والسؤال الذي يطرحه هذا الخطاب هو: هل يؤمن نتنياهو بالسيد المسيح كى يستشهد به ويجعله مركزا في خطابه؟
بداية نوضح سياق الجملة، فقد قالها نتنياهو فى مؤتمر صحفى بالقدس فى سياق كان يحاول فيه تبرير فكرة أن إسرائيل والولايات المتحدة تتحركان الآن لأن عدم التحرك أخطر من التحرك، وفى الخطاب أقام مقارنة بين المسيح من ناحية وجنكيز خان من ناحية أخرى، وما يهمنا هنا فى المناقشة هو أحقية نتنياهو بوصفه ممثلا للثقافة اليهودية فى استدعاء المسيح فى خطابه.
ومن أجل أن نفهم ما نتحدث عنه علينا أن ندرك أن اليهود لا يؤمنون بأن سيدنا عيسى ابن مريم هو المسيح، بل إنهم لا يزالون ينتظرون مسيحًا لم يأت بعد، أى أنهم لا يؤمنون بما تؤمن به الديانة المسيحية أو الديانة الإسلامية، ونتنياهو، كما نعرف جميعًا فهو سياسى يهودى ومرجعيته الأولى هى الديانة اليهودية، بالتالى فإن خطابه هنا ليس خطاب إيمان، بل هو توظيف سياسى لرمز دينى مسيحى داخل حجة خطابية عن القوة والحرب والردع.
ونتنياهو، حسبما أشار، استعار هذه الجملة من ويل ديورانت صاحب موسوعة قصة الحضارة، وانتهى بعدها مباشرة إلى نتيجة سياسية صريحة هى أن "الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة" يجب أن "تعيد تأكيد إرادتها" فى الدفاع عن نفسها، وأن تكون "أقوى من البرابرة"، هذا التتابع يكشف أن العبارة ليست زلة لسان منفصلة، بل مقصودة.
وأول ما يفعله الخطاب هنا هو الاحتماء بمرجعية خارجية، فنتنياهو لا يبدأ من نفسه، بل يقول إنه يستشهد بمؤرخ كبير هو ويل ديورانت، وهذه تقنية معروفة فى تحليل الخطاب، فالمتكلم ينقل الفكرة إلى سلطة معرفية حتى يخفف مسؤوليته المباشرة عنها، أو على الأقل يكسوها بمظهر الفكر التاريخى لا الانفعال السياسي.
وفى هذا الخطاب لا يظهر المسيح بوصفه موضوع إيمان أو لاهوت، بل بوصفه رمزًا للخير والاعتدال والسمو الأخلاقي، فى مقابل جنكيز خان بوصفه رمزًا للقوة والعنف والبطش، أى أن نتنياهو لا يناقش المسيح كشخصية دينية، بل يستعمله كعلامة خطابية تمثل "الخير الأعزل"، ثم يقول إن هذا الخير وحده لا يكفي، بهذه الطريقة ينزع الرمز من قدسيته الخاصة ويعاد توظيفه داخل ثنائية سياسية، خير/شر، أخلاق/قوة، اعتدال/عدوان، هذا التحويل نفسه هو سبب الحساسية العالية للعبارة، لأن المتلقى المسيحى يسمع اسم المسيح داخل مقارنة وظيفية لا داخل مقام تبجيل.
العبارة كلها قائمة على ثنائيات متقابلة، المسيح/جنكيز خان، الخير/الشر، الاعتدال/العدوان، هذه الثنائيات لا تشرح الواقع بقدر ما تستقطبه وتعيد ترتيبه أخلاقيًا، والغاية منها أن تشعر المتلقى بأن العالم منقسم إلى معسكرين لا ثالث لهما، وأن الحياد أو التردد نوع من العمى.
ونتنياهو لا يقدم إسرائيل هنا باعتبارها تدافع عن نفسها فقط، بل باعتبارها تدافع عن أمريكا والشرق الأوسط والعالم كله، ثم يربط ذلك بـ"الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة" وهذه استراتيجية معروفة هى توسيع نطاق الـ"نحن"، من دولة طرف فى نزاع إلى رأس حربة لمعسكر حضارى كامل، وبهذا تصبح الحرب الإسرائيلية، فى منطقه، ليست حربًا إسرائيلية فحسب، بل معركة بالوكالة عن العالم الديمقراطي.
وعليه يمكن القول إن العبارة فى ظاهرها مقارنة بين المسيح وجنكيز خان، لكنها فى عمقها ليست عن المسيح ولا عن جنكيز خان بقدر ما هى عن تسويغ القوة العسكرية، لقد لجأ نتنياهو إلى اسم المسيح لأنه يخاطب الغرب المسيحي – الخطاب كان باللغة الإنجليزية – وما يمثله المسيح من مركزية في الحضارة الغربية، لكنه أبدًا لا يقصد المسيح ابن مريم، ولا يقصد تصورنا عنه.