كيف قادني إعلان عن "شاي الأنوثة" إلى بحث معمق عن مصطلحات معقدة مثل "الضريبة الوردية" و"تسليع المرأة" و"القلق الجندري"؟
دائمًا ما تشغلني الطريقة التي تتداعى بها الأفكار في ذهني. وأحيانًا يتردد في عقلي ذلك التعليق الساخر حول أن ما يحدث "تصعيد غير مبرر للأمور"، ولكنني في هذه المرة أعتقد أنه ليس تصعيدًا غير مبررًا.
جدد ذلك الإعلان عن "شاي الأنوثة" شعوري بالاستفزاز من محتوى متكرر أصادفه، وإعلانات عن "كورسات الأنوثة" و"التدريب على الأنوثة" ونصائح من أجل استعادة طاقة الأنوثة. في كل مرة أصادف محتوى مشابه أشعر بالخلل. لا أقتنع أبدًا أن الأنوثة لها وصفة موحدة وأن الإناث ينبغي أن يكن نسخًا مكررة مدربة على التصرف بطريقة معينة وأسلوب موحد.
فكرت مطولاً في الأمر، وكيف، ولماذا، تحولت الأنوثة إلى بيزنس. يتم الترويج لعشرات المنتجات والساعات التدريبية باسم الأنوثة. سواء كانت منتجات تجميلية أو أعشاب طبيعية أو حتى منتجات من الأحجار الكريمة والإكسسوارات بزعم أنها تعزز طاقة الأنوثة المهددة!
الأسوأ هو "البيزنس العقلي" باسم الأنوثة، حسب محركات البحث فإن دورات الأنوثة في العالم العربي تتراوح أسعارها بين 100 إلى 700 دولار، وتتنوع بين "تشافي الأنوثة" ويقصد بها معالجة الجروح النفسية المرتبطة بالهوية الجندرية أو موازنة الطاقات والتي تتضمن تعليم المرأة كيف تتخلى عن "طاقة الذكورة وتتبنى "طاقة الأنوثة".
لا تهدف هذه الدورات إلى تحقيق الكسب المادي وحسب، وإنما في الكثير من الأحيان يكون الهدف الأكبر من وراءها هو تمرير أفكار معينة تكرس إلى صورة معينة لـ"الأنثى الحقيقة" التي تستحق من الرجل التدليل والعناية والرعاية والحب بشرط أن تكون "الأنثى" التي يصفونها في تلك الدورات التدريبية، تتصرف بتلك الطريقة وتتحدث بهذا الصوت، وتتعامل مع الرجل بذلك التكنيك.
تسليع الأنوثة في رأيي هو مجرد طريقة أخرى لإعادة صياغة ظاهرة "تسليع المرأة" ولكن بطريقة أكثر خبثًا وذكاءً. فلم يعد الرجل وحده هو المستهلك المستهدف، فمع اتساع استقلال المرأة اقتصاديًا، وتزايد قدرتها على اتخاذ قرارات الشراء، تغيرت زاوية الاستهداف. لم يعد كافيًا توظيف صورتها، بل أصبح من الضروري خلق احتياج داخلي لديها، احتياج يرتبط بهويتها نفسها. وحتى النساء اللائي لا يملكن القدرة الشرائية الكافية، لديهن القدرة على التأثير على رجل ما في حياتهن يمكنهن من الشراء.
يقوم هذا النموذج على فرضية بسيطة لكنها فعالة: إقناع المرأة بأن نمط حياتها المعاصر، بما يتضمنه من عمل، منافسة، استقلال قد أفقدها جزءًا من "أنوثتها". ومن ثم، يصبح الحل ليس في مراجعة السياقات الاجتماعية أو ضغوط الواقع، بل في استهلاك منتجات وخدمات تعد بإعادة هذا التوازن المفقود.
تسليع الأنوثة أو "تسليع القلق الجندري" يعمل أولاً على خلق الإحساس بالمشكلة عبر التشكيك في كفاية النموذج الحالي للمرأة. ثم تقديم حلول استهلاكية جاهزة، غالبًا ما تكون منفصلة عن جذور المشكلة الحقيقية. وأخيرًا إعادة تثبيت قوالب نمطية قديمة بوصفها النموذج المثالي الذي ينبغي السعي إليه.
الأسوأ أنه حتى بعد الاستثمار في هذه الحلول السحرية لاستعادة الأنوثة المفقودة، لا تجد كثير من النساء تحولًا جذريًا في حياتهن، بل يظل الإحساس بعدم الاكتمال قائمًا، وربما يتعمق. في بعض الحالات، يتحول الأمر إلى اغتراب عن الذات، حيث تصبح المرأة عالقة بين صورتها الواقعية وصورة نمطية تحاول اللحاق بها دون جدوى.
لا تكمن الإشكالية فقط في البعد الاقتصادي لهذا السوق والكلفة الإضافية على عاتق نساء لا يتمتعن من الأساس بعدالة في الأجور، بل في قدرته على إعادة تعريف مفاهيم أساسية عميقة تمس هويتهن وتفردهن والرضا عن الذات، فتصبح الأنوثة معيارًا خارجيًا قابلًا للقياس والتقييم، وتتحول إلى نموذج جاهز يعاد إنتاجه وتداوله.
وقوفي الطويل أمام الفكرة ـ وكذلك أمام إعلان شاي الأنوثة ـ لم يقودني إلى حل. ولكن على المستوى الشخصي أظن أن البداية تكون بمحاولة فهم أعمق لمعنى الأنوثة، لا كما تُعرف لي، بل كما أختبرها أنا. معنى يجعلني أشبه نفسي، لا نسخة معاد إنتاجها من أي نموذج آخر. كيف أشعر بالراحة في جسدي، وفي عقلي، وفي الطريقة التي أتحرك بها في العالم.
بعدها ينبغي علي التوقف قليلًا أمام كل ما يُقدم لي باعتباره "ترياق الأنوثة السحري"، ومحاولة تفكيكه قبل تصديقه. ليس رفضًا لكل شيء، بل تمييزًا بين ما يخصني فعلاً وأحتاجه، وما يُراد لي أن أظنه كذلك. فالعناية بالجمال والجسد تظل ضرورية، لكن بوصفها فعل حب للذات، لا استجابةً لضغط خارجي أو محاولة للامتثال لصورة مثالية بعيدة.
في النهاية، تظل الصورة التي أنظر إليها في المرآة فأبتسم تخصني وحدي، وكذلك التعريف الذي أقبله لنفسي. وربما هنا تحديدًا تكمن المسافة الفاصلة بين أن أعيش أنوثتي وأن أشتريها.