كثيرًا ما تنتشر مقاطع الفيديو بسرعة هائلة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويسارع البعض إلى تصديقها دون تفكير أو تحر للدقة، رغم أن لكل واقعة أكثر من زاوية، ولكل فيديو جانب خفي قد لا يراه المشاهد من الوهلة الأولى.
ومن بين هذه النماذج، فيديو متداول لفتاة برفقة صديقتين، تخرج هاتفها فجأة وتدعي تعرضها للتحرش، وسط حديث غير واضح وصراخ من إحدى الفتيات، ما أثار دهشة الرجل والشاب من هذا التصرف المفاجئ.
ولولا وجود كاميرات المراقبة التي كشفت حقيقة ما حدث بالفعل، لربما صدق الجميع هذه الرواية، إذ أظهرت التسجيلات أن الفتاة هي من اقتربت من الشاب وقامت بتصويره، بينما لم يصدر عنه أي سلوك يدعم ادعاءها.
ومن هنا تبرز ضرورة تقنين مسألة تصوير ونشر مثل هذه الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا كان الهدف هو إيصالها إلى الجهات المعنية، كوزارة الداخلية، فمن الأفضل إرسالها عبر القنوات الرسمية، ليتسنى التعامل معها بشكل قانوني واتخاذ الإجراءات اللازمة، دون إثارة البلبلة أو التشهير بالآخرين، إذ إنها تتعامل بسرعة كبيرة مع مثل هذه الوقائع، خاصةً تلك التي تثير الرأي العام، والتي تتطلب كشف الحقيقة في أقرب وقت، بما يعزز شعور المجتمع بالأمان والاطمئنان.
وقد يلجأ البعض إلى اقتطاع لحظات قصيرة من سياق كامل، ونشرها بهدف الانتقام أو التشويه، في حين أن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا، وكم من مظلوم تعرض للتشهير دون وجه حق، فقط لأن الجمهور لم يرَ الصورة كاملة.
ولا شك أن لكل متضرر الحق في المطالبة بإنصافه، لكن ذلك يجب أن يتم عبر الطرق القانونية، مع ترك الأمر للجهات المختصة للتحقيق والفصل فيه، أما إطلاق الاتهامات جزافًا دون دليل، فهو أمر مرفوض ويضر بالمجتمع.
لقد تغير دور الهاتف المحمول من وسيلة للتواصل إلى أداة قد تستخدم بشكل سلبي، بل وقد تتحول إلى سلاح ذي حدين، لذا ينبغي التعامل معه بمسؤولية، وعدم تصوير أي شخص دون إذنه، إلا في الحالات التي تستدعي توثيق جريمة واضحة، وليس بدافع الانتقام أو تحقيق مكاسب شخصية.
وفي النهاية، تظل الحقيقة الكاملة هي الفيصل، ولا يمكن الوصول إليها إلا بالتروي، وعدم الانسياق وراء ما ينشر دون وعي أو تدقيق، فكم من مظلوم يصور على أنه الجاني، فقط لأن الطرف الآخر كان أسرع في توثيق المشهد ونشره.