حسين عبدالبصير

حين تصبح الآثار ذاكرة الوطن

الخميس، 24 سبتمبر 2026 03:40 م

الهوية ليست تمثالًا في متحف، ولا نقشًا على جدار معبد، ولا صفحة في كتاب تاريخ، الهوية المصرية شيء أكثر عمقًا من ذلك كله. إنها الذاكرة التي تمشي معنا، ونراها في تفاصيل الحياة، وفي اللغة والعادات والموسيقى، وفي علاقتنا بالنيل، وفي قدرتنا العجيبة على البقاء والتجدد عبر آلاف السنين.

ولهذا فإن الحديث عن الهوية الوطنية المصرية ليس حديثًا عن الماضي وحده، وإنما هو حديث عن المستقبل أيضًا.

ومن هنا تأتي أهمية انعقاد مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» في مكتبة الإسكندرية، تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لحظة تحتاج فيها مصر، كما يحتاج العالم كله، إلى إعادة التفكير في معنى الهوية وعلاقتها بالإنسان والمجتمع والدولة والمستقبل. فالمؤتمر يناقش قضايا الهوية المصرية، والتعليم والثقافة والفنون والتراث، إلى جانب التحديات التي فرضها العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأعتقد أن أهم ما يمكن أن نفعله في قضية الهوية هو أن نعيد الآثار إلى الإنسان.

نحن أحيانًا نتعامل مع الأثر باعتباره حجرًا جميلًا، أو تمثالًا مدهشًا، أو مبنى عظيمًا يلتقط السائح أمامه صورة تذكارية. لكن الأثر في الحقيقة هو إنسان مصري عاش قبلنا، وفكر قبلنا، وأحب وخاف وحلم وبنى وكتب وصلى ودفن موتاه واحتفل بالحياة.

حين يقف طفل مصري أمام تمثال رمسيس الثاني، يجب ألا يرى ملكًا بعيدًا عنه منذ آلاف السنين فقط، وإنما يجب أن يشعر بأنه أمام صفحة من صفحات قصة بلده.

وحين يدخل متحفًا، يجب ألا يشعر أنه دخل مكانًا للأشياء القديمة، وإنما مكانًا يكتشف فيه جزءًا من نفسه.

وهنا تحديدًا تكمن العلاقة بين التراث والهوية.

مصر لا تمتلك حضارة واحدة مغلقة على نفسها، وإنما تمتلك تاريخًا طويلًا ومتعدد الطبقات. مصر القديمة، ثم العصور اليونانية والرومانية، ثم المسيحية المصرية، ثم الحضارة الإسلامية، وصولًا إلى مصر الحديثة والمعاصرة. هذه الطبقات لم تمحُ إحداها الأخرى، وإنما تركت كل منها أثرها في الشخصية المصرية.

ولهذا فإن الحديث عن الهوية المصرية يجب ألا يتحول إلى اختيار مرحلة تاريخية على حساب أخرى. مصر أكبر من أن تختصر في عصر واحد.

إنها بلد استطاع أن يحتفظ بذاكرته عبر آلاف السنين، وأن يستوعب ثقافات وحضارات متعددة، وأن يمنحها من شخصيته بقدر ما أخذ منها، ثم يواصل طريقه محتفظًا بخصوصيته.

وأرى أن الاهتمام الرئاسي المتزايد بقضايا الهوية وبناء الإنسان والوعي الوطني يكتسب أهمية خاصة؛ لأن حماية الهوية لا تبدأ من المتحف وحده، وإنما تبدأ من الإنسان نفسه. وقد أكدت الدولة أن المؤتمر يأتي في إطار تعزيز بناء الإنسان المصري وترسيخ وعيه بهويته الوطنية، مع تركيز خاص على الأجيال الشابة.

والشباب هم القضية الأساسية هنا.

فالطفل الذي لا يعرف تاريخ بلده سيبحث عن هويته في أماكن أخرى، وربما يجدها في صور ومعلومات وروايات تصنعها خوارزميات لا تعرف شيئًا عن خصوصية المكان الذي جاء منه.

نحن نعيش عصرًا لم تعد فيه المعرفة تأتي فقط من المدرسة والكتاب والمتحف. الهاتف المحمول أصبح معلمًا، ومنصة التواصل أصبحت كتابًا مفتوحًا، والذكاء الاصطناعي أصبح شريكًا في تشكيل المعرفة اليومية. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع الجهل.

لا يمكن أن نطلب من الشاب أن يحب تاريخ مصر لأننا نقول له إنه عظيم. علينا أن نجعله يكتشف بنفسه لماذا كان عظيمًا.

علينا أن نحدثه بلغة عصره، وأن نقدم له الحضارة المصرية بطريقة ممتعة، وأن نستخدم التكنولوجيا لا لكي نستبدل التاريخ، وإنما لكي نعيد تقديمه بصورة أكثر قدرة على الوصول إلى الناس.

فالآثار المصرية تمتلك قصة لا تحتاج إلى مبالغة.

يكفي أن نتركها تتحدث.

مقبرة واحدة يمكن أن تحكي عن عائلة كاملة. بردية صغيرة يمكن أن تفتح نافذة على عقل إنسان عاش منذ آلاف السنين. قطعة نقود يمكن أن تخبرنا عن اقتصاد دولة وسلطة ملك وتغيرات سياسية. وتمثال يمكن أن يكشف لنا كيف كان المصري يرى الإنسان والملك والآلهة والكون.

هذه ليست أشياء ميتة.

هذه أصوات الماضي.

ومهمتنا أن نسمعها وأن نجعل الأجيال الجديدة تسمعها معنا.

ومن أجمل ما يمكن أن تقوم به مصر في المرحلة المقبلة أن يصبح التراث جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، لا مادة موسمية للاحتفال. أن تدخل الآثار إلى المدرسة والجامعة والإعلام والمنصات الرقمية، وأن يصبح المتحف مكانًا للمعرفة والحوار وليس مجرد قاعات للعرض.

وهنا أرى أن مؤتمر الهوية الوطنية في مكتبة الإسكندرية يمثل فرصة مهمة لفتح هذا النقاش بصورة أوسع، لأنه يجمع بين الثقافة والتعليم والفنون والإعلام والشباب، ويضع الهوية في إطار أوسع من مجرد الشعارات.

لقد علّمتنا مصر القديمة أن الحضارة لا تُبنى في يوم واحد.

الحضارة بناء طويل من المعرفة والعمل والصبر.

والهوية كذلك.

لا تُصنع الهوية بخطاب واحد، ولا بمؤتمر واحد، ولا بكتاب واحد. إنها تُبنى كل يوم، عندما يعرف الطفل اسم بلده وتاريخه، وعندما يحترم الشاب آثار وطنه، وعندما يرى المواطن في المتحف جزءًا من قصته، وعندما يدرك المصري أن المكان الذي يقف عليه الآن مر فوقه آلاف المصريين من قبله.

ولذلك فإن الحفاظ على التراث ليس حنينًا إلى الماضي.

إنه دفاع عن المستقبل.

إن الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على معرفة نفسها. أما الأمة التي تعرف تاريخها جيدًا، فلا تعيش أسيرة للماضي، بل تدخل المستقبل وهي أكثر ثقة بجذورها وقدرتها على التجدد.

وهذه هي مصر التي نريدها.

مصر التي تعرف من أين جاءت، لكنها لا تتوقف عند ما كان.

مصر التي تحفظ آثارها، لكنها تبني آثارًا جديدة في العلم والمعرفة والفن والإنسان.

مصر التي تنظر إلى النيل، وإلى الأهرامات والمعابد والكنائس والمساجد والمتاحف والمدن القديمة، لا باعتبارها بقايا زمن مضى، وإنما باعتبارها فصولًا متصلة في قصة وطن ما زال يكتب تاريخه.

فالهوية المصرية في النهاية ليست ما ورثناه فقط.

الهوية هي أيضًا ما سنتركه نحن وراءنا.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب

الموضوعات المتعلقة




الرجوع الى أعلى الصفحة