محمد الطماوى

مصر والأمم المتحدة.. رؤية استراتيجية لإصلاح النظام الدولي

الجمعة، 25 سبتمبر 2026 02:05 ص

يصعب اختزال علاقة مصر بالأمم المتحدة في عدد العضويات أو مرات الجلوس داخل مجلس الأمن؛ فالقصة المصرية مع المنظمة تعود إلى لحظة تأسيس النظام الدولي الحديث نفسه، فقد شاركت مصر في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 الذي أُقرت خلاله ميثاق الأمم المتحدة، وهو الميثاق الذي دخل حيز النفاذ في 24 أكتوبر من العام نفسه، ليؤسس لمنظومة دولية تقوم نظريًا على المساواة في السيادة، وحظر استخدام القوة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

ومنذ تلك اللحظة لم يكن حضور مصر مجرد حضور دولة داخل مؤسسة دولية، وإنما حضور دولة تقع عند تقاطع العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط، وتحمل معها قضايا الاستقلال الوطني ومناهضة الاستعمار وحقوق الدول النامية وإعادة بناء قواعد أكثر توازنًا للعلاقات الدولية.

أهمية مصر داخل الأمم المتحدة ظهرت مبكرًا عندما تحولت المنظمة من فكرة قانونية إلى أداة فعلية لإدارة الأزمات الدولية، وتبقى أزمة السويس عام 1956 واحدة من أهم المحطات التي تكشف طبيعة هذا الدور؛ فقد أظهرت الأزمة أن مجلس الأمن يمكن أن يصطدم بتضارب مصالح القوى الكبرى، وأن النظام الدولي لا يستطيع دائمًا إنتاج القرار عندما تكون إحدى الدول الدائمة العضوية طرفًا في النزاع أو تمتلك مصلحة مباشرة فيه، وفي المقابل، كشفت الأزمة عن إمكانية استخدام الجمعية العامة وآلياتها السياسية عندما يتعطل مجلس الأمن، ومن هذه الزاوية أصبحت أزمة السويس درسا مبكرًا في العلاقة بين الشرعية الدولية وموازين القوة، وهو درس ما زال حاضرًا في النقاش الدولي حتى اليوم.

ولم يكن التأثير المصري دبلوماسيا فقط؛ فمصر أصبحت أيضا جزءًا من التطور العملي لمنظومة حفظ السلام، وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن مصر واصلت المشاركة في عمليات حفظ السلام لعقود، ولا تزال مساهماتها قائمة في عدة بعثات حتى 2026، وهذا يضيف بعدًا مهمًا للدور المصري: القاهرة لم تكن فقط دولة تتحدث عن السلام داخل قاعات الأمم المتحدة، وإنما دولة شاركت ميدانيًا في تنفيذ جزء من مسؤوليات المنظمة تجاه مناطق النزاع.

ومع انتقال النظام الدولي من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال، اتسع الدور المصري من الدفاع عن المصالح الوطنية إلى المشاركة في معركة أوسع تتعلق بمكانة الدول النامية داخل النظام العالمي، فقد ارتبطت مصر تاريخيًا بحركة عدم الانحياز وبمجموعة الـ77، وأصبح الخطاب المصري جزءًا من تيار دولي يطالب بأن تكون التنمية والاستقلال الاقتصادي وإعادة توزيع القوة داخل المؤسسات الدولية جزءًا من مفهوم الأمن والسلام، لا ملفات منفصلة عنهما.

وهنا تحديدًا يمكن فهم خصوصية التجربة المصرية؛ فالقاهرة لم تكن تتحرك فقط باعتبارها دولة عربية، ولا باعتبارها دولة أفريقية، وإنما استطاعت تاريخيًا أن تتحرك في المساحة المشتركة بين العالم العربي وأفريقيا والدول النامية، وهذه المساحة تمنح مصر أهمية سياسية داخل النقاش المتعلق بإصلاح النظام متعدد الأطراف، لأن أزمة التمثيل الدولي لم تعد قضية أفريقية أو آسيوية أو لاتينية منفصلة، وإنما أصبحت سؤالًا عن مدى قدرة المؤسسات التي تأسست في القرن العشرين على تمثيل عالم القرن الحادي والعشرين.

وتكشف عضوية مصر في مجلس الأمن عن امتداد هذا الدور؛ فقد انتُخبت مصر عضوًا غير دائم في المجلس خمس مرات: 1946، و1949–1950، و1984–1985، و1996–1997، و2016–2017، لكن أهمية هذه المشاركات لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في تراكم الخبرة المصرية داخل المؤسسة الأكثر ارتباطا بالأمن والسلم الدوليين، فالمجلس الذي صُمم عام 1945 ليعكس توازنات القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية أصبح يعمل اليوم داخل بيئة دولية مختلفة جذريًا: دول أكثر، ومراكز قوة أكثر، وأزمات عابرة للحدود، وقوى اقتصادية صاعدة، وفاعلون من غير الدول، وتحديات لم تكن موجودة عند كتابة الميثاق.

ومن هنا يصبح السؤال المصري والأفريقي أوسع من مجرد الحصول على مقعد إضافي، إنه سؤال عن من يشارك في صناعة القرار، ومن يمتلك حق تعطيله، وكيف يمكن أن تصبح شرعية القرار متناسبة مع طبيعة النظام الدولي المعاصر، والأزمة الحقيقية في الأمم المتحدة ليست غياب المؤسسات، وإنما الفجوة المتزايدة بين وجود المؤسسة وقدرتها على إنتاج قرار فعال، فمجلس الأمن يمتلك أدوات قانونية وسياسية مهمة، لكنه يعمل داخل بنية تمنح الدول الخمس دائمة العضوية وضعًا استثنائيًا من خلال حق النقض، وهذا الترتيب كان جزءًا من التسوية التي قامت عليها المنظمة عام 1945، لكنه أصبح أحد أكثر عناصرها إثارة للنقاش مع تغير موازين القوة العالمية.

ولهذا فإن الإصلاح لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره زيادة عدد أعضاء المجلس، وإنما باعتباره محاولة لإعادة بناء العلاقة بين التمثيل والقرار والمساءلة والتنفيذ، وقد اعترف ميثاق المستقبل الذي اعتمدته الدول الأعضاء عام 2024 صراحة بالحاجة إلى جعل مجلس الأمن أكثر تمثيلًا وشمولًا وشفافية وكفاءة وفعالية وديمقراطية ومساءلة، ووضع معالجة "الظلم التاريخي" الواقع على أفريقيا ضمن الأولويات، كما اعتبر مسألة الفيتو عنصرًا أساسيًا في الإصلاح وفتح النقاش حول إمكانية تقييد نطاق استخدامه.

لذلك فإن الأمم المتحدة لا تحتاج فقط إلى توسيع مجلس الأمن، وإنما إلى إعادة تعريف منظومة اتخاذ القرار الدولي بأكملها، الإصلاح الحقيقي يبدأ بتمثيل جغرافي وسياسي أكثر عدالة، ويشمل تقوية صوت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والدول النامية، ويحتاج في الوقت نفسه إلى تطوير أساليب عمل المجلس وتعزيز شفافية قراراته وربط السلطة بالمساءلة.

كما أن العلاقة بين مجلس الأمن والجمعية العامة تحتاج إلى إعادة نظر سياسية ومؤسسية، فالجمعية العامة تمثل الإطار الأوسع للدول الأعضاء، بينما يمتلك مجلس الأمن السلطة الأساسية في قضايا السلم والأمن الدوليين. والمطلوب ليس إضعاف المجلس لصالح الجمعية أو العكس، وإنما بناء توازن يمنع أن تتحول قدرة عدد محدود من الدول على تعطيل القرار إلى تعطيل كامل للنظام متعدد الأطراف.

والأهم أن الأمم المتحدة تحتاج إلى معالجة أزمة التنفيذ، فالقرار الدولي يفقد جزءا كبيرًا من قيمته عندما توجد فجوة بين النص وبين القدرة على تطبيقه، ومن ثم فإن مستقبل المنظمة لن تحدده فقط قدرتها على إصدار القرارات، وإنما قدرتها على جعل القرارات قابلة للتنفيذ، وعلى بناء آليات تجعل مخالفة القانون الدولي أكثر كلفة سياسيًا وقانونيًا.

المشكلة أن النظام الدولي لم يعد يواجه فقط حروبا تقليدية، الأمن اليوم أصبح مرتبطًا بالطاقة والمياه والغذاء والديون وسلاسل الإمداد والتغير المناخي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والهجرة والأوبئة، وبالتالي فإن مؤسسة صُممت أساسًا لمنع الحروب بين الدول مطالبة الآن بإدارة مجموعة من المخاطر التي تتجاوز الحدود والسيادة الوطنية.

وهنا تظهر أهمية مصر مرة أخرى؛ فمصر بحكم موقعها العربي والأفريقي وخبرتها التاريخية داخل الأمم المتحدة تستطيع أن تطرح تصورًا أكثر شمولًا للإصلاح: منظومة دولية لا تكتفي بمنع الحرب، وإنما تعالج الأسباب الاقتصادية والتنموية والسياسية التي تنتج عدم الاستقرار.

والمطلوب من القاهرة في المرحلة المقبلة ليس فقط الحفاظ على تاريخها داخل المنظمة، وإنما تحويل هذا التاريخ إلى رأس مال دبلوماسي وفكري. فمصر تمتلك تجربة طويلة في مجلس الأمن، وخبرة ممتدة في حفظ السلام، وصلات تاريخية بالدول الأفريقية والعربية والنامية، وتجربة في التفاوض متعدد الأطراف، وهذه العناصر يمكن أن تمنحها دورًا مهمًا في النقاش حول مستقبل الحوكمة العالمية.

لكن الدور المصري الأكثر تأثيرًا يمكن أن يتجاوز الدفاع عن زيادة التمثيل الأفريقي إلى طرح سؤال أكبر كيف يمكن بناء نظام دولي يجمع بين العدالة والفعالية؟ فزيادة عدد الدول داخل مجلس الأمن دون تحسين قدرته على اتخاذ القرار لن تحل المشكلة، كما أن زيادة سرعة اتخاذ القرار دون زيادة تمثيله وشرعيته قد تخلق مشكلة أخرى.

المعادلة إذن ليست بين التمثيل والفعالية، وإنما البحث عن نموذج يجمع الاثنين، وهذا تحديدًا ما يعكسه ميثاق المستقبل عندما يتحدث عن توسيع المجلس مع الحفاظ على التوازن بين تمثيله وفعاليته.

والسؤال الأكثر حساسية الذي دائما ما نتحدث عنه حول ماذا يحدث إذا فشلت عملية الإصلاح؟، حتى الآن، المسار الدولي الرسمي لا يتجه إلى إنشاء منظمة بديلة للأمم المتحدة؛ بل إن المفاوضات الحكومية بشأن إصلاح مجلس الأمن مستمرة، والأمم المتحدة نفسها تدفع باتجاه إعادة تنشيط التعددية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، ولذلك فإن الحديث عن "منظمة جديدة" يجب التعامل معه باعتباره سيناريو مستقبليا محتملا، وليس مشروعًا دوليا قائما بالفعل.

لكن استمرار الفشل في الإصلاح يمكن أن يقود إلى نتيجة مختلفة وأكثر تعقيدا من إنشاء منظمة بديلة : تفكك تدريجي لمركزية الأمم المتحدة، عندها قد تتوسع أدوار المنظمات الإقليمية، ومجموعات القوى الكبرى، والتكتلات الاقتصادية، والتحالفات الأمنية، والأطر المؤقتة للتعامل مع أزمات محددة، ولن تختفي الأمم المتحدة، لكنها قد تتحول من المؤسسة المركزية الوحيدة للعمل الجماعي إلى واحدة من عدة مراكز لصناعة القرار الدولي.

وهذا السيناريو يحمل مفارقة خطيرة؛ فقد يصبح العالم أكثر تعددية من الناحية الشكلية، لكنه أقل وحدة من الناحية المؤسسية، وقد تنتقل البشرية من مشكلة "بطء القرار داخل مؤسسة واحدة" إلى مشكلة أكبر هي تعدد مراكز القرار وتضارب القواعد والمعايير.

لهذا فإن تاريخ مصر في الأمم المتحدة ليس مجرد ماضٍ دبلوماسي، وإنما يمكن أن يكون مدخلًا لفهم مستقبل النظام الدولي نفسه، فمنذ التأسيس عام 1945، مرورًا بأزمة السويس وحفظ السلام وحركة عدم الانحياز ومجلس الأمن، وحتى النقاش الراهن حول إصلاح الحوكمة العالمية، ظلت مصر حاضرة في النقاش المتعلق بالسؤال الأكبر:  كيف يمكن تحقيق نظام دولي يجمع بين القوة والشرعية، وبين القرار والتمثيل، وبين الأمن والتنمية؟

وقد يكون مستقبل الأمم المتحدة أمام ثلاثة مسارات مترابطة: إصلاح المنظمة من الداخل، أو استمرارها مع تراجع نسبي في قدرتها على إنتاج التوافق، أو نشوء نظام دولي أكثر تعددًا للمراكز إذا تعذر إصلاح بنيتها الأساسية. وليس هناك حتى الآن ما يحسم أي مسار سيغلب؛ لكن المؤكد أن قواعد 1945 تواجه اختبارًا تاريخيًا في عالم 2026.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يمكن لمصر أن تنتقل من الدفاع عن موقعها داخل المنظومة إلى المشاركة في صياغة مستقبل المنظومة نفسها؛ ليس عبر البحث عن منظمة بديلة، وإنما عبر الدفع نحو منظمة أكثر تمثيلًا، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر قدرة على تنفيذ ما تتخذه من قرارات، بحيث لا تصبح الأمم المتحدة شاهدًا على أزمات العالم، بل أداة فعلية لإدارتها وتسويتها.

المعركة المقبلة ليست على مقعد داخل الأمم المتحدة، وإنما على شكل النظام الدولي الذي سيحكم العالم في العقود القادمة.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب




الرجوع الى أعلى الصفحة