علا رضوان

أبطال العصر وسقوط الهيكل الفني

السبت، 26 سبتمبر 2026 03:29 م

يدور التاريخ في فلك صراع أبدي بين البناء والهدم، والجمال والقبح، والقيمة والابتذال. ولأن المسار البشري سلسلة من التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل الوعي المجتمعي، تبرز المقولة الخالدة القائلة بأن لكل عصر أبطالها الذين تفرضهم طبيعة التحديات. وحين نتأمل الفن باعتباره المرآة الأصفى لجوهر الإنسان، ندرك حجم الهوة الفاصل بين أصالة الماضي وواقع معاصر يرزح تحت وطأة الاستسهال وسلطة التجارة البحتة.

فالبطولة الحقيقية لا تولد صدفة، بل تستند إلى وعي جماعي واستجابة واعية لتحديات الواقع. وفي المقابل، نلمس مفارقة مؤلمة حين نقارن المشهد الثقافي الراسخ بأزمنة الإخلاص الفني، حيث كان هّم المبدع انحصار الكلمة الصادقة والارتقاء بوجدان المتلقي. أما اليوم، فقد تحول الإبداع عند البعض إلى سلعة استهلاكية رخيصة تخلو من أي رؤية، وتستهدف فقط تحقيق المكاسب السريعة عبر مخاطبة الغرائز السطحية دون بذل جهد حقيقي للتطوير. هذا التراجع رافقه انحسار في حضور الأفكار الرصينة أمام طغيان منظومة استهلاكية جامحة.

ولا يمكن فصل هذا الانحدار الذوقي عن بنية المجتمع التحتية، إذ ترتبط قضايا الفقر المعنوي والتعليم ارتباطاً وثيقاً ببعضها. فعندما ينشغل الإنسان بتأمين متطلبات الحياة الأساسية، تتراجع أولويات التذوق الجمالي ويغدو عرضة لمحطات الاستهلاك السطحي. ومع قصور المنظومة التعليمية عن بناء عقل نقدي مفكر، وغياب التوجيه الأسري والمؤسسي السليم، تتسع رقعة الفراغ لتملأها نماذج مشوهة تكرس حلقة مفرغة من التجهيل.

ولكسر هذه الحلقة واستعادة الاعتبار للقيم الجمالية، تتكامل الحلول في مسارات عملية ومحددة:

1 المسؤولية المجتمعية والضغط الواعي: يمثل الجمهور الواعي حائط الصد الأول؛ فالتغيير الحقيقي ينبع من رفض التفاهة ومقاطعتها، وامتناع المستهلك عن منح دعمه إلا للعمل النظيف الذي يحترم العقول.

2 التنظيم المؤسسي والتشريعي: صياغة تشريعات وقوانين وأطر مهنية ومواثيق شرف واضحة تحمي الذائقة العامة من التجاوزات الفجة تحت ذريعة حرية السوق، وتلزم المنتجين والفنانين وكل العاملين في قطاع الفن بالتعهد الأخلاقي بعدم الانخراط في أي أعمال أو منصات تنتقص من الثوابت الوطنية أو تسيء لكرامة الوطن وقيمه الراسخة، مع تحفيز الإنتاجات التي تلامس قضايا الإنسان الحقيقية.

3 الإصلاح التربوي والنقدي: إعادة صياغة المناهج التعليمية لدمج مفاهيم التذوق الجمالي والتحليل النقدي، لتتحول المؤسسة التعليمية من مساحة للتلقين إلى حاضنة للتفكير الإبداعي.

4 الدعم الثقافي والمؤسسي: تمكين المبدعين الجادين من أدواتهم عبر توفير منصات مستقلة ورعاية رسمية، وتفعيل دور المراكز الثقافية في ربط الفنون الرفيعة بالجمهور في كل مكان.

إن إعادة بناء الوعي المجتمعي وتصحيح المسار الفني مسألة تتطلب بعض الوقت والصبر، غير أن ثمار هذا الجهد ستينع لاحقاً لتصب في صالح الجميع، وتستعيد الروح الإنسانية عافيتها وسلامتها.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب




الرجوع الى أعلى الصفحة