متى أصبح الاختلاف تهمة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا في زمن تتسارع فيه الكلمات قبل أن تتاح لنا فرصة التفكير فيها، وتنتشر فيه الأحكام أسرع من الحقائق، ويصبح الاختلاف أحيانًا سببًا كافيًا لوضع الإنسان في خانة لا يعرف كيف دخلها، ولا كيف يخرج منها.
لم تعد المشكلة أننا نختلف…
المشكلة أننا بدأنا نختلف على حق الآخر في أن يختلف.
وفي المساحة الرقمية الواسعة التي نعيش فيها اليوم، أصبح من السهل أن تتحول الآراء إلى معسكرات، والنقاشات إلى معارك، والاختلافات الطبيعية إلى حالة من الاستقطاب تجعل كل طرف يرى نفسه في مواجهة طرف آخر.
لكن وسط كل ذلك، أين تقف المواطنة؟
المواطنة في جوهرها ليست مجرد نصوص قانونية تضمن الحقوق، ولا مجرد واجبات يؤديها الفرد تجاه وطنه. المواطنة، في معناها الأعمق، هي أن أؤمن بأن هذا الوطن يتسع لي ولمن يختلف معي في الرأي، والفكرة، والرؤية، طالما يجمعنا احترام القانون والمصلحة العامة.
•أن أختلف معك لا يعني أنني أنكر وجودك.
•وأن تعارض رأيي لا يعني أنك خصمي.
•وأن نرى الطريق بشكل مختلف لا يعني أننا نريد وطنًا مختلفًا.
هذه البديهيات تبدو بسيطة، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما يتحول النقاش العام إلى مساحة يسهل فيها إطلاق الأحكام، وتصبح فيها الكلمة وسيلة للإقصاء بدلًا من أن تكون أداة للحوار.
والأخطر أن الاستقطاب لا يبدأ دائمًا من القضايا الكبرى. أحيانًا يبدأ من تفاصيل صغيرة: تعليق، منشور، مقطع مجتزأ، معلومة غير مكتملة، ثم يتسع شيئًا فشيئًا حتى يصبح «نحن» في مواجهة «هم».
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن الوطن لا يمكن أن يُدار بمنطق «نحن» و«هم».
الوطن بطبيعته مساحة مشتركة.
ولهذا فإن بناء ثقافة المواطنة اليوم يحتاج إلى أكثر من الحديث عن الحقوق والواجبات. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى ثقافة الاختلاف نفسها؛ أن نتعلم كيف نناقش الفكرة دون أن نهين صاحبها، وكيف ننتقد القرار دون أن نختزل صاحبه في موقف واحد، وكيف نختلف دون أن نبحث عن إلغاء الآخر.
وهنا أيضًا تظهر مسؤولية المؤسسات التي تشكل الوعي العام: الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والأحزاب، والمجتمع المدني، وكذلك المنصات الرقمية ومستخدميها.
قد نختلف حول قضايا كثيرة، وهذا طبيعي وصحي. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين مجتمع يسمح بتعدد الآراء، ومجتمع يتحول فيه تعدد الآراء إلى صراع دائم.
المواطنة هي أن نعرف أين ينتهي الخلاف ويبدأ الوطن.
ولست أعتقد أن المطلوب أن نتفق جميعًا؛ فالاتفاق الكامل ليس دليلًا على صحة المجتمع، وربما يكون الاختلاف المنضبط أحد أهم علامات حيويته.
المطلوب فقط أن يكون لدينا ما هو أكبر من الخلاف: مساحة مشتركة اسمها الوطن.
رسالتي…
رسالتي من هذا المقال ليست أن نعيد للمواطنة معناها الحقيقي: حق الجميع في أن يكونوا جزءًا من المشهد، ومسؤولية الجميع في الحفاظ على المساحة التي تجمعنا.
ففي زمن الاستقطاب، قد لا يكون التحدي الأكبر أن نقنع بعضنا البعض، وإنما أن نحافظ على قدرتنا على الاستماع.
وقد لا يكون المطلوب أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نتفق على شيء واحد لا يجب أن يكون محل خلاف:
أن الوطن أكبر من أي رأي، وأوسع من أي خلاف، وأبقى من أي استقطاب.
وهنا تبدأ المواطنة الحقيقية.