كانوا شجعانا وأصحاب موقف عادل؛ ثم صاروا ظلمة وجبناء أخلاقيا. الفعل نفسه، والشخص والمكان؛ غير أن التوصيف على الضد تماما، ولا سبب إلا الوضاعة والمصلحة وانكشاف الضعف والعورات.
قبل أقل من عقدين وقف نتنياهو على منصة الأمم المتحدة؛ ليشيد بالمنسحبين من قاعتها بالتزامن مع كلمة الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد، على خلفية قمع المتظاهرين فى انتفاضة 2009.
وآخر الأسبوع الماضى، تحول زعيم الليكود العجوز إلى النقيض تماما، عندما فوجئ بالمكان يخلو عليه تقريبا؛ إلا من حفنة ضئيلة أغلبها طول صغيرة وقليلة القيمة.
وذلك؛ اعتراضا على أن يُمنَح سفاح تطلبه المحكمة الجنائية الدولية، فرصة لغسل سُمعته، والتعمية على انحطاط بلده، وقتل ضحاياه مرتين، والثانية أقسى وأفدح لأنها على مرأَى ومسمع وشراكة من العائلة الأُممية.
الصورة مُلفتة وتستوجب التوقّف. حجم المقاطعة ومشهد القاعة الخاوية يُثيران الانتباه، ولا يخلوان من دلالات مُهمّة قطعًا.
على أن المُفارقة فى مكانٍ آخر؛ إذ تفوّق المُنسحبون فى النسخة الأخيرة، على سابقتيها فى 2025 و2026، رغم أن جرائم الإبادة كانت أعلى صوتًا، والقديم أفدح بما لا يُقارَن مع الجديد.
الإشارة الإيجابية الآن؛ أن إسرائيل فى مأزقٍ حقيقى، ربما يطول أو يتعقّد أكثر، تقف عاريةً على رؤوس الأشهاد، يستقبح الناس سلوكها، ويأنفون مُجرّد الاستماع العابر لقيادتها المُجرمة.
فيما السلبى فى المشهد؛ أن ثورة الثائرين ليست لدمٍ طازجٍ مثلاً، وغير مدفوعة بالضمير والعدالة حصرًا، وإلّا لكانت اتُّخذت بتلك القوّة سابقًا، وتضاعفت مرّة بعد أُخرى حتى الآن.
لا أرقام مدققة، خاصة مع سيولة الحسبة بشأن الغائبين، وما إذا كان الغياب عارضا أم مقاطعة استباقية مقصودة. إنما فى أقرب التقديرات؛ تراوح العدد بين 50 و70 دولة قبل سنتين.
كانت النار مشتعلة فى كل شبر من غزة، والساحات مفتوحة على بعضها، والجريمة بلا سقف أو حدود. حتى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية منح إذنه بقصف ضاحية بيروت الجنوبية واغتيال حسن نصر الله من قلب الأمم المتحدة فى نيويورك.
فى السنة الماضية لم تختلف الأمور كثيرا، وكانت الوتيرة هادئة نسبيا فى الفعل وانعكاساته. ما يجعل الموجة الأخيرة عالية بالأرقام، وإذا ما قيست بمرحلة رمادية، يُمكن أن تُحسب نسبيا على الهدوء، أو بالحد الأدنى ليست أكبر فى عنفها ووحشيتها مما مضى عن قريب.
تعترف مائة وسبع وخمسون دولة حاليا بفلسطين، والخارجون سبع وسبعون فقط. ما يعنى أن حصّة وازنة مِمّن ينحازون للقضية، يعترفون بالحقوق ولا يُقرّون بالإبادة، أو لا يرونها سببًا للتطهُّر بالقطيعة الكاملة.
مُتألمون لدرجة زهيدة، ومُتسامحون بأكثر مِمّا يحتمل السياق. ومستعدون لمنح أسوأ النماذج البشرية منصة ومُكبّر صوتٍ، ولو مددنا الخط على استقامته؛ فسيغفرون له فى أمد غير بعيد.
وصل إلى نيويورك بيُسر، لم يُمنع أصلاً، ولا طُرِحَ مُجرّد التصويت على ألا يرتقى الدَرَج الأُمَمىّ ليبصُق على الإنسانية من فوقه، والوفود جالسة بتصالح إلى جانب وفده، والأغلبية لا يشعرون بغرابةٍ أو استهجان.
وكى تكون الصورة قريبة؛ فكأن هتلر بُعِثَ بهيئته المعروفة، وبتضاعيف تتناسب مع الزمن وفوائض القوّة، وسار بين الناس فى المبنى الزجاجى المهيب، يُخرج لسانه لمُنظمة بُنِيَت على أطلال نظامه، وللقصاص من وحشيّته.
ثمّ جلس ينفخ فى النار والأفران مع الحاضرين، بينما يُحاول الغائبون إطفاءها بلا جدوى!
لو كان العالم جميلاً ونبيلاً وعادلاً حقًّا؛ لَمَا اختُرِعَت إسرائيل من العَدَم أصلاً، أو استمرّت طوال تلك العقود بوحشيّة مُتصاعدة، ومَوَّلت وجودها الغليظ من أحلام الفلسطينيين المُستباحة وشرايينهم المفتوحة.
لا يرى الجميع القضايا من منظورنا، أو يَعرفونها ويُحدِّدون ملامحها مثلما نُعرِّفها، كما لا يتحلّون بالاستقامة الأخلاقية.
وأقلّه أنها ليست بالصيغة التى نألفها؛ أو فَلنَقُل إنَّ الأخلاق على الساحة الدولية نسبية تمامًا، مهما تصوّرنا أنَّ الحقائق جليَّة والمبادئ لا تتجزّأ.
المشاعر ساخنة ومشحونة؛ وعمّا قريب ستبرد. جربنا الغضب مع النكبة والنكسة والانتفاضتين، وفى كل مرّة يذهب الضحايا للقبور، والمتعاطفون إلى سابقة أنشطتهم الاعتيادية.
كتبتُ فى المساحة ذاتها عن الاغتباط الزائد بالتعاطُف غير المُكلّف، والمُبالغة فى الحفاوة والتعويل عليه؛ بالرغم من أنه لا يُنقذ قتيلاً، ولا يُغيّر مسار المأساة.
وتتضاعَف الكُلفة؛ إذ يُوظّف الأُصوليّون وبعض الفصائل، خاصة حماس الساعية لغسل يدها من كارثة الطوفان، ما يتواتر من غضب العالم لصالح رصيد الحركة، وتبرئة جنون السنوار بأثر رجعى.
وكأن المُقامرة بالأرض والبشر أيقظت الضمائر، وأعادت المسألة الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام، ويهون فى سبيل ذلك ما أُريق من دمٍ حرام، وأن يتهدّم القطاع على رؤوس ساكنيه.
ولا مُبرّر لاستمراء التدنّى، أو الرقص على جثامين الأبرياء. الأمر يتخطّى ظاهره البسيط، إلى إنكار الوقائع، والتعالى على مواجع الناس، وعزل الميليشيات لنفسها عن البلد وقضية أهله الحقيقية.
وإلى ذلك؛ فإنه سلوك ينطوى على مُكابرة، وانصراف عن المراجعة والإقرار بالخطأ، ناهيك عن الاعتذار والتصويب.
فى الشكل؛ فالأرض اهتزّت بمظالم الغزيّين العُزّل، ويُسأل فيها النازى المسعور بنيامين نتنياهو، وطابور الصهاينة المتورّطين فى الجُرم بلا استثناء، ويُسأل محور المُمانَعة وتابعوه من الحماسيين وغيرهم؛ وإن بنسبة أقل.
أما فى المضمون؛ فقد كانت الكلمة ما بعد المقاطعة خفيفة وفارغة. ذات طابع انتخابى، وموجّهة بالأساس إلى الداخل العبرى.
كُتلة من الغرور والغطرسة والأكاذيب، والهروب إلى الأمام كما يفعل خصومه على الجانب الآخر.
استعاد قصة شقيقه يوناثان، الضابط المقتول فى عملية عنتيبى. وهو الضحية الوحيدة بين الخاطفين والمخطوفين وفرق الأمن من إسرائيل وأوغندا؛ لأنه الغبىّ الوحيد غالبا.
كان مُندفعا، قليل الكفاءة، وارتكب خطأ أودى بحياته بنيران صديقة. والقصة صالحة للاستعادة؛ لأنها إشارة إلى الإرث العائلى البائس: جد مُتطرّف لم يتحقق فى الحاخامية، وأب يُحسَب على المؤرّخين الكذبة، وابنان يتنافسان فى السوء، ذهب فاشل منهما مُبكّرًا، وبقى الثانى ليُراكم مزيدًا من الفشل.
أن يصعد نتنياهو على جُثّة رابين؛ فالدليل قاطع على اعتلال الصهيونية من داخلها، وأنها تأكل نفسها مع الوقت، ولو أنكرت. وأن يبقى كل هذا الوقت؛ فالحجّة نهائية بأنها ماضية إلى الأُفول، لا سيما وقد مسخ المجتمع على صورته، وحوّل الجميع إلى مصّاصى دماء ومُجرمى حروب.
نتنياهو سيئ، وخطابه أسوأ، والباقون معه فى دائرة واحدة يفوقون الجميع سوءا. لا سيما الذين يقبلونه حاكمًا، ومَن لا يجدون غضاضة فى أن يترشح للمزيد.
وقبلهم جميعًا الذين يتطهّرون بالدعايات داخل الدولة العبرية نهارًا، ثم يتحلّقون فى حفلات شواء بشرية مساء، ويقضمون معه من لحم الفلسطينيين وحقوقهم المغصوبة قهرًا.