اليوم السابع في أغرب مكتبة بالعالم.. «أوودى» حيث لا تكتفى بالكتب فى فنلندا.. ترابيزات شطرنج وماكينات خياطة وروبوتات تنقل الكتب واستوديوهات موسيقى.. قصة مشروع فنلندي تكلف 98 مليون يورو.. صور

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:30 م
اليوم السابع في أغرب مكتبة بالعالم.. «أوودى» حيث لا تكتفى بالكتب فى فنلندا.. ترابيزات شطرنج وماكينات خياطة وروبوتات تنقل الكتب واستوديوهات موسيقى.. قصة مشروع فنلندي تكلف 98 مليون يورو.. صور جانب من مكتبة أوودى فى فنلندا
كتبت: هناء أبو العز

 

في هلسنكي، وتحديدًا أمام البرلمان الفنلندى، لا تحتاج إلى أن تكون ذاهبًا لاستعارة كتاب أو قراءته  حتى تدخل المكتبة،ولكنك ستجد أمامك مباشرة مكتبة «أوودى» المكتبة المركزية للعاصمة الفنلندية.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 4.49.13 PM (1)

المكتبة من الخارج

من الخارج سيظهر مبنى خشبى ضخم بواجهة منحنية تبدو وكأنها موجة  تغطيها الثلوج في معظم أوقات العام ،  بينما تمتد نوافذه الواسعة على مساحة مفتوحة تجعل المبنى يبدو من الخارج مختلفا عن الصورة التقليدية التي ارتبطت في أذهاننا بالمكتبات.

من بعيد قد تظنه مركزا ثقافيا أو مبنى فنيًا حديثا، لكن المفاجئة أن مكتبة أودي المركزية في هلسنكي، افتتحت أبوابها في ديسمبر 2018، في عام احتفال فنلندا بمئوية استقلالها، بعدما تحول مشروعها إلى أحد أبرز المشروعات الثقافية في العاصمة.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 4.49.13 PM (2)
داخل المكتبة (2)

وقفت أمام المبنى خلال زيارتي الدبلوماسية إلى فنلندا، وكان المشهد الخارجي كافيا لطرح سؤال بسيط: كيف يمكن لمكان مخصص للكتب أن يبدو بهذه الجرأة المعمارية؟ لكن الإجابة الحقيقية لم تكن في الواجهة، وإنما في الداخل،  فخلف هذا التصميم الخشبي توجد مكتبة لا تكتفي بوضع الكتب على الأرفف، بل تضم روبوتات لنقل المقتنيات، وطابعات ثلاثية الأبعاد، وماكينات خياطة، واستوديوهات للتسجيل، ومساحات للعمل والتعلم واللقاء.

أودي ليست مجرد قصة مبنى جديد في هلسنكي، وإنما قصة دولة قررت أن تعيد التفكير في السؤال الأقدم: ماذا يجب أن تقدم المكتبة للناس في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر؟.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 4.49.13 PM (3)
3)

في الداخل، كان المشهد مختلفا عن الصورة التقليدية للمكتبة التي يعرفها معظمنا، طلاب أمام شاشات الكمبيوتر، أطفال رضع يلعبون مع أمهاتهم، مراهقين يلعبون الشطرنج ، أشخاص يجلسون للقراءة، وآخرون يتناولون السندوتشات الخفيفة، والجميع يجلس متقاربًا حسب الوضع المريح له.

وفي طابق آخر، سترى استوديوهات للتسجيل، معدات لصناعة الأشياء، طابعات ثلاثية الأبعاد، غرف للاجتماعات، ومساحات يمكن حجزها مجانا، غرف للعب بلاى ستيشن، أماكن للرسم، أماكن لمشاهدة التلفزيون  ثم تأتي الكتب.

في الطابق الثالث تحديدا، حيث تقع المساحة التي تسميها أودي "جنة الكتب"، تعود المكتبة إلى صورتها الكلاسيكية: رفوف ممتدة، كتب للقراءة والاستعارة، ونوافذ واسعة تطل على قلب العاصمة الفنلندية ومبنى البرلمان.

لكن حتى هنا، لا تنتهي المفاجآت، فما بين  بين الرفوف، تتحرك روبوتات مخصصة لنقل الكتب.

وهنا يبدأ السؤال الصحفي الحقيقي: لماذا أنفقت فنلندا 98 مليون يورو على مكتبة عامة بهذه المواصفات؟

 

98 مليون يورو.. مشروع لم يكن مجرد مكتبة

افتتحت أودي أبوابها في 5 ديسمبر 2018، في الذكرى المئوية لاستقلال فنلندا، بعد سنوات طويلة من التخطيط والتصميم، يقع المبنى في ساحة المواطنين   أمام البرلمان الفنلندي، وصممته شركة الهندسة المعمارية الفنلندية آلا أركتكتس، واعتبرته فنلندا أحد المشروعات الرئيسية المرتبطة باحتفالات مرور 100 عام على الاستقلال.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 4.49.13 PM (5)
داخل المكتبة (5)

 

لكن اختيار موقع المكتبة، وشكلها، وطريقة تشغيلها، كلها تحمل رسالة تتجاوز الاحتفال بذكرى الاستقلال.
فأودي ليست مجرد مبنى يضم الكتب، وإنما مساحة عامة صممت لتكون مفتوحة أمام السكان، وتجمع بين القراءة والتعلم والعمل والثقافة والتكنولوجيا.
وهذه الفكرة تظهر حتى في شكل المبنى نفسه،  ثلاثة طوابق، وثلاث وظائف مختلفة تقريبا؛ الطابق الأرضي للحركة والفعاليات والخدمات، والطابق الثاني للتعلم والعمل وصناعة الأشياء، والطابق الثالث للكتب والقراءة.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.09.07 PM
هناء أبو العز مع مديرة المكتبة 

 

من الكتاب إلى ماكينة الخياطة

قد يكون من الصعب في البداية أن تستوعب لماذا توجد ماكينة خياطة داخل مكتبة عامة.
لكن الفكرة في فنلندا مرتبطة بمفهوم بسيط: ليس من الضروري أن يمتلك كل شخص الأدوات التي يحتاجها أحيانا، فإذا كان شخص ما يحتاج إلى ماكينة خياطة مرة واحدة في السنة، فلماذا يشتري واحدة؟، وإذا كان طالب يريد تنفيذ نموذج باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، أو موسيقي يريد تسجيل مقطوعة، فلماذا لا يجد المعدات في مساحة عامة يمكنه استخدامها؟
لهذا توفر أودي مجموعة واسعة من المعدات والمساحات، من استوديوهات الصوت والموسيقى إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد وأجهزة القطع بالليزر ومعدات صناعة مختلفة.
وهنا تتغير فكرة «الاستعارة» نفسها، في المكتبة التقليدية، تستعير كتابا وتعيده،  أما في أودي، فيمكنك أن تستعير المعرفة، وتستخدم المكان، وتصل إلى أدوات تساعدك على إنتاج شيء جديد.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.09.08 PM (3)
ماكينات خياطة بمكتبة أأودى(3)

 

الروبوتات تدخل على الخط

وفي أثناء التجول داخل المكتبة، يصعب ألا تلاحظ الروبوتات التي تنقل الكتب، فهذه  المركبات الآلية تتحرك داخل المبنى لنقل الكتب والمقتنيات بين المساحات المخصصة لها، بينما يظل ترتيب الكتب على الرفوف مهمة بشرية.
وجود الروبوتات ليس تفصيلا استعراضيا في تصميم أودي، فالتكنولوجيا جزء من الطريقة التي صممت بها المكتبة لتعمل بكفاءة أكبر، وهكذا، في المبنى نفسه، يجلس قارئ أمام كتاب، بينما يتحرك روبوت في مكان قريب لنقل كتاب آخر.
المشهد يلخص فلسفة أودي كلها: التكنولوجيا ليست بديلا عن المكتبة، وإنما أداة لتوسيع وظيفتها.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.09.08 PM (4)
أطفال بالمكتبة (4)

 

10 ملايين زائر في أقل من 6 سنوات

والأهم من شكل المكان هو ما حدث بعد افتتاحه، ففي مارس 2024، أعلنت أودي استقبال الزائر رقم 10 ملايين منذ افتتاحها في ديسمبر 2018، وفي عام 2025 وحده، سجلت المكتبة أكثر من 2.7 مليون زيارة ونحو 550 ألف عملية استعارة، كما نظمت قرابة 1200 فعالية مجانية للجمهور.

وتكشف الأرقام أن المكتبة أصبحت جزءا من الحياة اليومية في هلسنكي، وليس مجرد مشروع معماري يقصده السياح، واللافت أن عدد الزيارات يتجاوز بكثير عدد عمليات استعارة الكتب، بما يؤكد فكرة المشروع الأساسية وهى أن الناس يأتون إلى أودي من أجل المكان، وليس الكتب وحدها.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.09.08 PM

ماذا يفعل الناس داخل المكتبة؟

في إحدى زوايا المبنى، يمكن لشخص أن يعمل على مشروعه الخاص، ووفي مكان آخر، يمكن لمجموعة أن تعقد اجتماعا، وهناك استوديوهات يمكن استخدامها لإنتاج الموسيقى والمحتوى، كما توجد مساحات للأطفال، ومناطق للقراءة الهادئة، وأماكن للعمل والدراسة، إلى جانب الفعاليات الثقافية.

وتتيح المكتبة أيضا حجز غرف ومساحات مختلفة مجانا وفقا للقواعد المنظمة لاستخدامها، وهنا يصبح المبنى أشبه بمساحة مشتركة لسكان المدينة، لا يشترط أن تأتي لتشتري قهوة، ولا أن تدفع مقابل استخدام المكان، ولا أن تكون عضوا في مؤسسة خاصة، أنت ببساطة مواطن يستخدم مساحة عامة.

 

السعادة تبدأ أحيانا من مكان مجاني

وهذه العبارة تبدو كبيرة عند الحديث عن مكتبة، لكنها ليست بعيدة عن فلسفة نظام المكتبات الفنلندي، فقانون المكتبات العامة في فنلندا لا يحصر وظيفة المكتبة في توفير الكتب، وإنما يربط عملها أيضا بتعزيز المساواة، والوصول إلى المعلومات، والتعلم مدى الحياة، والمواطنة النشطة، والديمقراطية وحرية التعبير، وهنا تصبح المكتبة جزءا من البنية المدنية للمجتمع.

ففي أودي يمكن أن يجلس طالب بجوار موظف، أو أسرة بجوار مهاجر يتعلم اللغة، أو شخص يبحث عن وظيفة بجوار قارئ جاء للاستمتاع بكتاب، لا أحد يحتاج إلى بطاقة بنكية كي يستخدم المكان، ولا يحتاج إلى الانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.09.08 PM (2)
مكتبة أوودى (2)

 

المكتبة التي ساهم سكان هلسنكي في تصميمها

وقبل أن تصبح أودي بهذا الشكل، كان هناك سؤال آخر: ماذا يريد سكان هلسنكي من مكتبتهم؟

ولهذا شارك السكان في مراحل تصميم وتطوير المشروع من خلال فعاليات وورش عمل وطرق مختلفة لجمع الأفكار والاحتياجات و الفكرة كانت أن المكتبة لا ينبغي أن تفرض على المستخدمين من أعلى، وإنما تتشكل وفقا لاحتياجاتهم.

وهذا يفسر وجود مساحات قد تبدو غريبة داخل مكتبة إذا نظرنا إليها بالمفهوم التقليدي، فلماذا استوديو موسيقى؟ لأن بعض المستخدمين يحتاجونه.

 

"جنة الكتب".. المكان الذي تعود فيه أودي إلى أصلها

بعد كل هذه التكنولوجيا، ربما تتوقع أن تكون الكتب قد تراجعت إلى الخلف، لكن الصعود إلى الطابق الثالث يقدم إجابة مختلفة، فهنا توجد "جنة الكتب"، وهي المساحة المخصصة للقراءة والكتب.

نحو 100 ألف مادة متاحة للاستعارة تجعل هذا الطابق قلب المكتبة التقليدي، لكن تصميمه المفتوح والنوافذ الكبيرة والهدوء النسبي يمنحانه وظيفة إضافية: أن يكون مساحة للراحة، ومن هذا الطابق يمكن للزائر رؤية مبنى البرلمان الفنلندي.
في مشهد واحد، تقف الكتب أمام المؤسسة التشريعية للبلاد، وهو مشهد يلخص جانبا من فلسفة المكتبة: المعرفة جزء من الحياة العامة، وليست نشاطا معزولا داخل مبنى مغلق.

 

لماذا يذهب الفنلنديون إلى المكتبات؟

فنلندا لديها أكثر من 700 مكتبة لخدمة سكان يبلغ عددهم نحو 5.6 مليون نسمة، وفقا للبيانات الرسمية، لكن انتشار المكتبات وحده لا يفسر استمرار استخدامها ،فالجزء الأهم هو أن المكتبات الفنلندية تحولت إلى خدمات عامة متعددة الوظائف ،وفي بعض المكتبات، يمكن استعارة أدوات ومعدات، واستخدام مساحات للعمل، والحصول على مساعدة في التعامل مع الخدمات الرقمية، والمشاركة في أنشطة وفعاليات.
وهكذا، لم تعد المكتبة مكانا ينتظر القارئ، بل أصبحت مكانا يذهب إليه المواطن عندما يحتاج إلى شيء.
 

ماذا رأيت في أودي؟

عندما خرجت من المكتبة بعد الزيارة، كان السؤال الذي ظل معي مختلفا عن السؤال الذي دخلت به، لم أعد أفكر في أودي باعتبارها "أجمل مكتبة في فنلندا".، والأدق أنها تجربة في إعادة تعريف وظيفة المكتبة داخل المدينة.

الكتاب موجود، لكن إلى جواره التكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى جوار الإنسان،  والإنسان إلى جوار إنسان آخر، وهناك مكان للدراسة، وآخر للموسيقى، ومساحة للأطفال، وغرف للاجتماعات، وورش لصناعة الأشياء، ومئات الآلاف من الكتب والمواد.

وفي قلب هلسنكي، أمام البرلمان، تقف أودي كمساحة عامة تقول فكرتها من دون كثير من الكلام: فالمكتبة ليست المكان الذي تذهب إليه فقط عندما تريد كتابا،  وإنما المكان الذي يمكن أن تذهب إليه عندما تريد أن تتعلم، أو تعمل، أو تصنع، أو تلتقي بالآخرين، أو ببساطة أن يكون لك مكان في المدينة.

WhatsApp Image 2026-09-29 at 5.15.49 PM
هناء أبو العز داخل المكتبة فى فنلندا

 



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب




الرجوع الى أعلى الصفحة