فادى حاجلى

من روما... إعلان ومبادرة للأمن المائي المتوسطي

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 05:31 م

يعيش نحو مئة وثمانين مليون شخص من حوض المتوسط في مناطق لا تكفي فيها المياه لتلبية احتياجاتهم. فمن الثابت علمياً أن منطقة المتوسط تُعد من أبرز بؤر الاحترار العالمي، إذ ترتفع درجات حرارتها بمعدل يفوق المعدل العالمي بنسبة 20%.

وإلى جانب الأعباء الاقتصادية والديموغرافية، باتت موارد المياه في المنطقة بأكملها تحت ضغط كبير،  واللافت أن نصيب الفرد من المياه سنوياً في جميع دول جنوب المتوسط وشرقه لا يتجاوز 500 إلى 1000 متر مكعب، وهو مستوى يندرج رسمياً تحت تعريف "شح المياه".


ولا يبدو المشهد أفضل حالاً في الشمال؛ إذ يعيش 30% من سكان جنوب أوروبا في مناطق تعاني إجهاداً مائياً دائماً، بينما ترتفع النسبة في فصل الصيف لتصل إلى 70%. فالمياه، أو بالأحرى ندرتها، أزمة متوسطية بامتياز.

ندرك جميعًا خطورة شح المياه على صحتنا ونظمنا البيئية، لكن تداعياته لا تقف عند ذلك الحد، بل تمتد لتهدد الأمن الغذائي وفرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وصولاً إلى تزايد وتيرة الكوارث الطبيعية وشدتها.

ولا تقتصر هذه المخاطر على الحدود الوطنية؛ فدول منطقتنا تتقاسم أحواضًا وموارد مائية عابرة للحدود، وتتشارك تبعاً لذلك تداعيات شح المياه، وهو ما يستلزم استجابة إقليمية مشتركة.

لذلك، اجتمع الأمس ممثلو ثلاث وأربعين دولة في العاصمة الإيطالية روما لاعتماد الإعلان الوزاري الثاني للاتحاد من أجل المتوسط بشأن المياه، الذي جدد الالتزام السياسي بالعمل المشترك بين الدول الأعضاء، وحدد أولويات الإدارة المستدامة لموارد المياه، وأكد الحاجة إلى تعزيز التعاون عبر الحدود لإدارة هذه الموارد بشكل أكثر استدامة.

لكن أهمية الإعلان الوزاري لا تقتصر على الالتزام السياسي، بل تمتد إلى كونه يمهد لإطلاق "مبادرة روما للمياه"، بوصفها الذراع العملية لهذا الالتزام؛ إذ تردم الفجوة بين الاستراتيجيات والأولويات من جهة، والقدرة على تحويلها إلى مشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ من جهة أخرى.

عمليًا، تهدف المبادرة إلى مساعدة الدول على تطوير القدرات الفنية اللازمة لإدارة مواردها المائية والتخطيط للاستثمار فيها، وترجمة أولوياتها - من تحديث البنية التحتية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى رفع كفاءة استخدامها - إلى مشروعات يمكن إعدادها وتمويلها وإدارتها بصورة مستدامة.

وستتولى الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط، عبر منصته الإقليمية للمياه، تطوير هذه المبادرة، بما يعزز التعاون الإقليمي ويساعد على تحقيق نتائج ملموسة في إدارة المياه في أنحاء الحوض.

الواقع الذي نواجهه واضح: لا تستطيع أي دولة أن تبني أمنها المائي بمعزل عن محيطها. نظمنا المائية ومناخنا واقتصاداتنا مترابطة، وما يحدث على إحدى ضفاف المتوسط لا تبقى آثاره محصورة فيها. فالمياه لا تشكل فقط سلامة نظمنا البيئية وصحة شعوبنا، بل تمس أيضاً جوهر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمنطقتنا بأكملها. ونحن نملك المعرفة والأدوات اللازمة لمواجهة هذا التحدي معاً، بروح الشراكة والتعاون الإقليمي.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب




الرجوع الى أعلى الصفحة