تجسد تحولات قطاع الثروة الحيوانية في مصر خلال السنوات الأخيرة قصّة نجاح واقعية في إعادة هيكلة الأصول الوطنية، حيث انتقل هذا الملف الحيوى من أروقة العشوائية وضغوط الفجوة الاستيرادية إلى منظومة التخطيط العلمي والاستثمار الوراثي المُستدام، ولتأمل هذا التحول، يكفي التطلع إلى المشهد فى حاضرٍ تدار فيه الإمكانيات بأعلى درجات الكفاءة والتكنولوجيا الحديثة.
كنا فين؟.. عقود من الإنتاجية المحدودة والاستنزاف
عاشت الثروة الحيوانية عقوداً طويلة تحت وطأة الاعتماد على سلالات محلية غير محسنة؛ وعلى الرغم من قدرة تلك السلالات التقليدية على التكيف مع المناخ، إلا أن عائدها الاقتصادي كان ضعيفاً للغاية، إذ لم يكن يتجاوز إنتاج الرأس الواحدة منها بضعة كيلوجرامات معدودة من اللبن يومياً، مع معدلات نمو بطيئة جداً في تحويل اللحوم، ترافق هذا الوضع مع غياب قاعدة بيانات رقمية موحدة للماشية، وتراجع الاعتماد على التلقيح الاصطناعي، ما جعل المزارع الصغير يستنزف أعلافاً وأموالاً طائلة دون عائد مجدٍ، وترك السوق المحلي تحت رحمة التقلبات الاستيرادية والأسعار العالمية.
بقينا فين؟.. تحول هيكلي وسلالات عالية الإنتاجية
اليوم، تقود وزارة الزراعة بالتعاون مع مؤسسات الدولة تحولاً جذرياً يرتكز على تقنيات التحسين الوراثي والتوسع الرأسي. فقد تم تطوير مراكز التلقيح الاصطناعي ونشر مئات النقاط المتخصصة بالقرى لتطعيم السلالات المحلية بجينومات عالمية فائقة الجودة، بالتوازي مع استيراد وتمصير سلالات ممتازة مثل "الهولشتاين" و"السيمتال" وتوزيعها على صغار المربين عبر تمويلات ميسرة.
ولم يتوقف التطوير عند هذا الحد، بل امتد لرقمنة القطاع عبر حصر شامل للثروة الحيوانية، وتحديث مئات المراكز لتجميع الألبان وفق أعلى معايير الجودة، ودعم "المشروع القومي للبتلو" بمليارات الجنيهات لحماية الرصيد الحيواني وزيادته.
ثمار التغيير ومستقبل الأمن الغذائى
تنعكس نتائج هذا التحول اليوم بوضوح على أرض الواقع؛ حيث ارتفعت إنتاجية الألبان للرأس المحسنة لتقفز من مستويات متدنية إلى نحو 25 إلى 35 كيلوجراماً يومياً، وتسارعت معدلات تحويل اللحوم، مما رفع من ربحية صغار المزارعين وأسهم في تقليل الهدر العلفي.
ويذكر إن الانتقال من نمط التربية العشوائية إلى الإنتاج القائم على قواعد البيانات والرعاية البيطرية الشاملة لم يكن مجرد تطوير خدمي، بل خطوة استراتيجية نقلت قطاع الماشية في مصر من مرحلة "سد الرمق" إلى بناء منظومة أمن غذائي مستدامة وقادرة على الصمود أمام التحديات الاقتصادية.