* الحروب أغلقت منشآت ودفعت شركات لفصل عمال.. ومصر تمنح سوق العمل العربي اطمئنانا..
* التوترات الجيوسياسية زادت خسائر أصحاب الأعمال وتهدد فرص تشغيل الشباب..
* نحتاج تشريعات عربية موحدة لمواجهة مخاطر التغيرات المناخية على العمال..
أكد يعقوب يوسف، رئيس الاتحاد الحر لنقابات عمال البحرين، أن العمالة المصرية تحظى بمكانة مستقرة في سوق العمل البحريني، ولا توجد أي توجهات للاستغناء عنها، مشيرا إلى تزايد وجودها في قطاعات جديدة، من بينها الفندقة والضيافة، مع تطلع الجانب البحريني إلى إبرام اتفاقيات جديدة مع مصر لاستقدام العمالة الحرفية والمهنية، خاصة في قطاعات المقاولات والمنشآت، للاستفادة من مهارات العمال المصريين وخبراتهم.
وأضاف يوسف، في حوار خاص لـ«اليوم السابع» على هامش مشاركته في الدورة الـ52 لمؤتمر العمل العربي، أن المرحلة الخاصة باستقدام العمالة المصرية في المهن الأكاديمية، وعلى رأسها التدريس، أُنجزت بنجاح، بينما لم تستكمل المرحلة الثانية المتعلقة بالمهن الحرفية والمهنية، معربا عن أمله في استكمال هذه الاتفاقيات بما يعزز التعاون بين البلدين ويفتح آفاقا جديدة أمام العمالة المصرية في سوق العمل البحريني.
وإلى نص الحوار:
شهد مؤتمر العمل العربي مناقشة مجموعة من القضايا المتعلقة بأوضاع سوق العمل في ظل تصاعد الأحداث والحروب بالمنطقة.. كيف انعكس ذلك على سوق العمل بالمنطقة، وما أبرز التهديدات التي تواجه الشباب للحصول على فرص عمل؟
في ظل التوترات الشديدة التي تشهدها المنطقة، وخاصة منطقتنا العربية، فإن مجرد وصول كافة الفرق إلى أرض الكنانة مصر الحبيبة، يعتبر الإنجاز الأول والأساسي، أما عن المؤتمر، فهو ركز على التحديات الاقتصادية وتحديات سوق العمل التي تواجه الشباب وفرص التشغيل.
إن التحديات الاقتصادية الراهنة جعلت من عام 2026 سنة كئيبة على العمال؛ حيث نشهد إغلاق العديد من المنشآت والمؤسسات، وخسائر كبيرة لأصحاب العمل في استثماراتهم واقتصادياتهم. وعلى جانب العمال، فقد تأثروا بشكل كبير نتيجة فصل العديد منهم. لكن الحكومات كان لها رأي آخر، ومع النصف الثاني من عام 2026 بدأت بتطبيق معالجات لتحسين سوق العمل وحلحلحة المشاكل والتحديات بالمنطقة.
ونتمنى من الله أن تهدأ المنطقة من الحروب وتعود الأمور إلى نصابها، ولا شك أن إغلاق مضيق هرمز كان أكبر تحد ليس فقط للمنطقة بل للعالم برمته، وفي هذا السياق، فإن وجود مصر وثقلها في المنطقة العربية وسوق العمل يعطي اطمئنانا كبيرا لمكانتها بين الدول العربية والعالمية، واليوم بدأ السوق ينتعش مجددا، وبدأت الحكومات تضخ الدعم لأصحاب العمل للوقوف على أقدامهم، فالعمال جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة.
وصفتم عام 2026 بالسنة الكئيبة للعمال.. فما توقعاتكم لعام 2027 ونحن على مشارف العام الجديد؟
أتوقع وأتمنى أن يكون عام 2027 مغايرا تماما لعام 2026، لأننا نضع حاليا الحلول والتحسينات الكثيرة، ومن الطبيعي أن تؤتي هذه الجهود ثمارها في 2027، وهناك جهود جبارة تبذل من قبل الحكومات وأصحاب العمل والعمال وتكاتف جماعي لإيجاد الحلول المناسبة، ناهيك عن التنازلات التي يقدمها العمال عن بعض حقوقهم وقوفا مع أصحاب العمل، وهو ما ساعد الكثير من المنشآت على الاستمرار وعدم الانهيار في هذه الظروف.
التغيرات المناخية أصبحت محاور شبه دائمة في مؤتمرات العمل.. رغم أن المنطقة العربية هي الأقل تسببا في الاحتباس الحراري، ألا يوجد طرح لموقف عربي موحد يضغط على الدول المتسببة بدلا من الاكتفاء بإصدار التقارير؟
يتراءى لي أن هناك تجارب ممتازة في دولنا العربية؛ وعلى سبيل المثال تجربتنا في مملكة البحرين، حيث تشكل التغيرات المناخية في فصل الصيف فترة عصيبة جدا على العمال بسبب شدة الحرارة والرطوبة، وكان بعض العمال يفقدون حياتهم. لكن القوانين والتعديلات التشريعية الأخيرة كإقرار حظر العمل وقت الظهيرة وإعطاء فترة راحة للعمال، أدت إلى تحسن جودة العمل والحفاظ على أرواح العمال.
وقد بدأت تجربة البحرين تحتذى في العديد من دول الخليج، كما نسمع عن إجراءات مماثلة في أوروبا، ونأمل في مؤتمرنا هذا أن نركز على هذه الأمثلة الجيدة واستعراض مدى تأثير التغير المناخي على سوق العمل، وأن يسفر المؤتمر عن مقترح أو قانون استرشادي صادرة عن منظمة العمل العربية تلتزم به كافة الدول العربية في الصيف، لضمان زيادة الإنتاجية مع حماية صحة العمال.
هناك انقسام حول الذكاء الاصطناعي، بين من يراه فرصة وداعما للعمال، ومن يراه تهديدا يقلص الفرص.. ما وجهة نظركم؟
لأكون صريحا وشفافا، لا يمكن لأي إنسان عاقل أن ينكر أن الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير مهارات الشخص الفردية، لكن على مستوى "الكم" والعدد؟ مستحيل! فالعدد سينخفض حتما، العمل الذي كان يحتاج في السابق إلى 10 أشخاص، أصبح اليوم ينجزه شخص واحد بالذكاء الاصطناعي، بل وفي جزء بسيط من وقته، مما يعني الاستغناء عن أعداد كبيرة من الأيدي العاملة، وهذا هو الضرر الأكبر.
ولكننا جبرنا على هذه التغيرات التكنولوجية وليست بملء إرادتنا، ولابد من مواكبتها، ونرى ضرورة الخروج بمقترحات وقرارات في المؤتمر تتضمن البرامج التدريبية والتأهيلية للعمال قبل إدخال إصلاحات الذكاء الاصطناعي في الأسواق "قبل أن يقع الفأس في الراس"، لضمان عدم الاستغناء عن العمالة.
ماذا عن وضع العمالة المصرية في البحرين حاليا، وما أبرز المهن التي تشغلها، وهل هناك اتفاقيات استقدام جديدة مرتقبة؟
الحمد لله، العمالة المصرية عمالة مستقرة جدا في البحرين، وتعمل في غالبية المهن المرموقة كالمدرسين، والمستشارين، والقضاة، ونتمنى في الفترة المقبلة أن يتم توقيع اتفاقيات بين البحرين ومصر لاستقدام العمالة في "المهن الحرفية" ومهن المنشآت والمقاولات؛ فنحن حاليا نعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية في هذا القطاع، بينما نرى في العامل المصري المهارة والإخلاص، وهو ما يحقق التكامل العربي الحقيقي.
هل هذا يعني أن البحرين بحاجة إلى العمالة الحرفية والمهنية المصرية تحديدا؟
نعم صحيح، ونحن بحاجة لها، وفي السابق طرحنا هذا الأمر وكان يسير وفق مراحل؛ المرحلة الأولى ركزت على المدرسين والمهن الأكاديمية وقد أنجزناها بنجاح، والمرحلة الثانية كانت تخص المهن الحرفية والمهنية ولكنها لم تكتمل بعد، أما عن سبب العرقلة، فالله أعلم.
هناك دول عربية بدأت تستغني عن بعض العمالة الوافدة لديها.. ما هو موقف البحرين تجاه العمالة المصرية؟ وهل هناك نية للاستغناء عنها؟
حتى الآن لم نستغن عن أي عامل مصري، والعمالة المصرية مستقرة وموجودة بكثافة في البحرين ولا يوجد أي اتجاه للاستغناء عنها، بل على العكس، هناك ازدياد في دخول العمالة المصرية لقطاعات جديدة مثل الفندقة والضيافة، ونتأمل مستقبلا أن تدخل المهن الحرفية أيضا، العمالة المصرية الحالية أثبتت كفاءة بشهادات احترافية وتخصصات لا يمكن استبدالها في الوقت الحالي.
ما الذي كان يتطلع الاتحاد الحر لعمال البحرين إلى تحقيقه في الدورة ال 52 لمؤتمر العمل العربي؟
كنا نتمنى الخروج بقرارات جريئة، في مقدمتها إنشاء "سوق عمل عربي مشترك"، والتفكير جديا في الاستغناء عن العمالة الآسيوية التي تستحوذ على نسبة ضخمة في دول الخليج، واستبدالها بعمالة عربية لتحقيق التكامل العربي المنشود.
ما الفارق بين الدورة ال 52 والمؤتمرات السابقة؟ وما أمنيتك للمؤتمر القادم؟
التحديات اليوم أكبر بكثير؛ في السابق كانت التحديات تقتصر على سوق العمل، أما الآن فالتحديات جيوسياسية وتوترات وحروب وزلازل وكوارث في المنطقة أثرت على الجميع، هذا يتطلب تكاتفا أكبر والتفكير باستباقية والتخطيط ل 10 أو 30 سنة قادمة بدلا من التفكير في السنة التالية فقط.
أما أمنيتي للمؤتمر القادم فهي إقرار "السوق العربي الموحد"، لأن تحقيقه يعني الاستغناء عن باقي دول العالم، فالدول العربية غنية بمواردها الطبيعية والبشرية، والعقول العربية لا تضاهيها أي عقول أخرى، ومن المؤسف أن تستفيد أوروبا وأمريكا من عقول أبنائنا بينما لا نستفيد نحن منها في أوطاننا.
لماذا لم تطبق فكرة السوق العربي الموحد رغم طرحها سابقا؟
لأن النقاشات كانت تتم دائما بشكل شفهي، كما أن هناك نوعا من الحرج لدى بعض الحكومات بسبب التزاماتها واتفاقياتها الثنائية مع دول آسيوية وأوروبية، وهو ما يعيق هذا التكامل، ومن الطبيعي أن دول أوروبا وأمريكا لا تتمنى رؤية تكامل أو اتفاق عربي موحد.
العمالة غير المنتظمة أو المؤقتة تشهد زيادة مستمرة بحسب التقارير، رغم كل دعوات الحماية الاجتماعية والتدمج في القطاع الرسمي.. ما تفسيركم لهذه الزيادة؟
العمالة غير المنتظمة هي أكبر تحد ومشكلة تواجه الحكومات وأصحاب العمل والعمال حاليا، وهي في ازدياد مضطرد بسبب الوتيرة السريعة للرقمنة والذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبح بإمكان الشخص العمل من منزله لحسابه الخاص دون تحديد ما إذا كان "عاملا" أم "صاحب عمل"، وفي نفس الوقت يحرم من الحقوق التأمينية والاجتماعية والصحية.
هذا الغموض في المسمى الوظيفي يصعب على صناديق الضمان الاجتماعي شمولهم، حتى منظمة العمل الدولية شهدت نقاشات وحوارات حادة حول كيفية توفير الحماية لهذه الفئة، العمالة الفردية الحرة في توسع مستمر، وتحديد غطائها القانوني هو التحدي الأكبر.
كيف تقيمون دور منظمة العمل الدولية في إدارة القضايا العربية؟
دور منظمة العمل الدولية سلبي جدا تجاه القضايا العربية؛ فهي منظمة تراعي حقوق الدول القوية على حساب الدول الضعيفة، وما زالت تنظر للدول العربية ك "دول نائية" أو دول عالم ثالث، رغم أننا تقدمنا على دول أوروبية كثيرة في حقوق العمال، أرى في هذه المنظمات استغلالا كليا للدول العربية ولدماغها العربي.
أما الصوت العربي فما زال ضعيفا داخل المنظمة لعدم وجود كلمة موحدة؛ فبالرغم من وجود منظمة العمل العربية كمظلة، إلا أن الاتفاقيات المنفردة التي تبرمها كل دولة عربية مع الدول الخارجية تمنع توحيد الرؤى والمواقف.
هل التشريعات العمالية العربية بحاجة إلى تعديل لمواكبة تغيرات سوق العمل؟ وكيف تتعاملون مع هذا الملف في البحرين؟
بالتأكيد، ولابد أن تتغير لتواكب أنماط العمل المتغيرة يوميا، في البحرين، وبفضل الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج الثلاثة، نتبنى رؤية استباقية بتوجيهات من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ فنحن نخطط للمستقبل ولما بعد غد، ونضع في الحسبان احتمال إلغاء بعض الوظائف وتأثير التغيرات الجيوسياسية والحروب والكوارث، لتكون آثارها طفيفة على سوق العمل، ولهذا وضعنا رؤية البحرين 2050 حتى قبل أن نصل لعام 2030.
أما عن التحول الرقمي داخل الاتحاد الحر، فنحن نواكب التطورات، لكن المشكلة في المؤتمرات العربية أن الطرح يكون خجولا ويغلب عليه "تجميل الصورة"، بينما الواجب وضع اليد على الجرح مباشرة لمعالجته بشفافية ورعاية للضمير والمسؤولية.
