الرحمة لو نجونا، والعدل إن هلكنا. تنطبقُ خلاصة عبارة نجيب محفوظ، الواردة على لسان الشيخ عبد ربه فى «أصداء السيرة الذاتية»، على مُجرمٍ صيهونى عتيدٍ، يُقيم اليوم على حرفٍ من ضياع الأسطورة المُلفّقة.
كلُّ ذى ضمير قويم سيتمنّى إطاحة سفّاح إسرائيل، وكل عقل سليم لن يُعوّل على سواه.
البيئة كُلّها مُشوّهة تماما، كانت عنيفة وازداد عُنفها، وانجرفت بكاملها إلى أقصى اليمين؛ حتى أن خلافاتها باتت تشبه تنوّع الأسلحة وتفاوت إيقاع القتل فحسب!
إن فاز بنيامين نتنياهو؛ فلِضَعف مُنافسيه. وإن فازوا؛ فمن كراهيّة الأوّل لا محبّة فى الآخرين.
غير أن النتيجة لن تُغيّر شيئًا على كل حالٍ، وغالب الظنّ أنها لن تُزحزح الشيطان عن موضعه، وسيحتال عليها بالصناديق ذاتها فى وقت قريب!
انتخابات أقرب إلى الاستفتاء، يصعبُ التنبّؤ بها حقيقةً؛ لغيبة البديل على مستويات ثلاثة: الذات والموضوع والفاعلية/ أى الكفاءة والرؤية ونزعة القيادة، مع فروق الخبرة والكاريزما طبعًا.
لحظة مفصليّة؛ بل لعلها الأهم من جُملة ستّ وعشرين وقفة انتخابية حتى الآن.
نحو 36 قائمة تتنافس فى دائرة واحدة، على 120 مقعدًا بظاهر العملية، وفى جوهرها على إرث أذكى حُكّام تل أبيب، وأسوأهم أيضًا.
الروزنامة تبدأ بالاقتراع اليوم؛ فإعلان النتائج بعد أسبوع. لدى الرئيس هيرتزوج سبعة أيام لتكليف المرشّح صاحب الكُتلة الأكبر، مع مُهلة من 28 يوما يُمكن تمديدها لستة أسابيع.
الإخفاق يردّ الكُرة لرأس الدولة لثلاثة أيام، ينقل الراية لمنافسٍ ثانٍ مع مُهلة شبيهة. أو تتشكّل أغلبية من نصف النواب زائد واحد، مع مُهلة من أسبوعين فقط لبناء الائتلاف.
ومع تكرار الفشل، واستحكام التشرذم بين القوى المُمثّلة برلمانيًّا؛ فالحلّ وجوبًا مع بدء الإجراءات اللازمة لتنظيم استحقاق ثانٍ، وردّ القرار إلى الشارع.
وباختصار؛ ما لم يُزَح نتنياهو بأغلبية واضحة؛ فلا بديل عن الانخراط معه فى ائتلافٍ بعنوان الوحدة الوطنية، وإلّا فالمُغامرة بحكومة أقليّة مع غطاء عربى، وذاك الخيار مرفوض من الأحزاب الصهيونية، كما أنه انتحار سياسى.
وعليه؛ فالخيار الثالث والأكثر قُربًا من التحقُّق، أن يبقى الوضع على ما هو عليه، تحت لافتة «تسيير الأعمال».
عجوز الليكود الماكر سيتحصّل على ولاية كاملة، أو نصفها باتفاقٍ مع آيزنكوت مثلاً، أو عدّة شهور يُرمّم فيها جبهته، بالحرب والتقتيل طبعًا، قبل أن يحتكم للناخبين مُجدّدًا.
والقصد؛ أن لديه ثلاث فُرص أو أكثر للبقاء، مُقابل واحدة أو أقل للرحيل. ومَن عاش يتقمّص دور «الملك اليهودى»؛ سيبذل كل طاقته كى لا تنتهى رحلته مُهانًا فى تقاعده، أو وراء القضبان.
كما أنه نجح فى استجلاب الدولة كلها على أرضه، وتشغيلها فى خدمة أهدافه؛ حتى باتت أقرب إليه من نفسها، ومن إرث الآباء المؤسِّسين، وما كان يُزعَم فيها قبلاً من تنوّع وانفتاح.
لقد صبغها بلونه اليمينىّ المُتطرّف، وقادها عبر رحلة تحوّلاته الطويلة إلى وجهٍ واحدٍ لن تتحرّر منه مُستقبلاً، وسيفرض نفسه على أى بديلٍ عنه يرتقى مقعد الإدارة.
كلّهم صاروا نتنياهو فى الواقع، وبينهم نُثار من طلل اليسار، وبعض أصوات الوسط التى تُمارس مهمة علاقات عامة، أقرب لغسل السُّمعة وتوزيع الأدوار.
وادّعاء الموضوعية فى مُقاربة تلك الحالة؛ إنما يُضلّل الناظرين من السطح، ويحرف الأنظار عن حقيقةِ مُجتمعٍ يسير بكامله، وبإرادته الخالصة، ناحية التوحُّش المُطلق.
انتقال بكامل الوعى من الإنسانية إلى حيوانية نازيّة، تُعيد إنتاج ذاكرة المُعاناة بإسقاطها على أبرياء آخرين.
والأغلبية يمينية من دون شكّ؛ غير أن اليمين مُراوغ، وقد يُخفى البعض نواياهم خجلاً أو لأسباب أخرى؛ فلا تأتى استطلاعات الرأى دقيقة دومًا.
وما يزال البعض يُصرّون على النظر فى العِلّة الصهيونية، بمنطق رجال الشرطة عندما يتفحّصون سلوك العصابات؛ محبوسين فى تصوّراتهم العتيقة، وغافلين عن أنها تتحرّك فى الزمن، وتُبّدل أدواتها، وتُخفى بطبيعتها أضعاف ما تُبدِى.
بدأ التحوُّل بعد أوسلو، ولم يتوقّف إلى اليوم. لمسة «بيبى» منحته طابعه العام، وإيقاعه المُتدرّج، وعطايا الأصولية الإسلامية على الجانب المُقابل تشاركته معه فى المهمة، وسرّعت جدولها الزمنىّ للأسف.
حصل نتنياهو على أثمن هداياه من أشرس أعدائه؛ إذا تغاضينا عن التشابه والتخادُم، وأنه كان يعتبر حماس كنزًا استراتيجيًّا لإسرائيل.
أوّل حكومة له تُكمل مُدّتها لآخرها؛ بالرغم من كَونه أطول رؤساء وزراء الاحتلال بقاءً فى السلطة.
وكذلك الكنيست أتمّ دورته، فى نادرةٍ لم تحدث منذ خريف 1988، عندما كان الضبعُ اليمينىُّ مندوبًا لدى الأمم المُتحدة، قبل أن يخطو أولى خطواته فى الانتخابات التالية.
أى لم يشهد دورةً تشريعية كاملة طوال مسيرته السياسية؛ إلَّا بعد طوفان الأقصى، وبفضل المُقامرة العبثيّة الغبيّة من يحيى السنوار.
وأثمنُ ما تحصّل عليه؛ الثغرة إلى تذويب التوازنات القائمة، وإرساء مُعادلات سياسية وأمنية جديدة، مع ذخيرة لا تنفد من الذرائع، وسكّة ذهبية إلى كل الخصوم دفعةً واحدة.
الطوفان كان نعمة له؛ وإن اتُّهِم بسببه بالفشل والإخفاق. أجهز على حماس تماما، ودمّر القطاع، وفتح طريقًا إلى تسريع الاستيطان وابتلاع الضفة. سحق ميليشيا حزب الله بصفوف قيادتها العُليا، وقطع الهلال الشيعى من الخاصرة الشامية، وأخيرًا وصل إلى قلب المُمانَعة فى طهران.
أهداف ما كان يحلم بها قبل ثلاث سنوات، ولُقمة أضخم مِمّا كان يتصوّر أحد أنه قادر على مضغها وابتلاعها.
والحصيلة أنها صار أقوى، أكثر جرأة وتوحّشًا، وأعاد تحرير عقيدته الأمنية، مُنتقلاً من زمن الردع والدفاع وجزّ العشب على فترات، إلى الاستباق والضربات الوقائية والمناطق العازلة.
ليس انتقالا فى وعى الرجل العجوز وحده؛ إنما تحويلاً لمسيرة دولة بكامل أجهزتها، لا سيما المؤسسة العسكرية، وأجنحة الأمن والمعلومات.
ولا دليل أكبر من نشاط الموساد فى طهران، وعمليات نوعية مثل البيجر واغتيالات هنيّة ونصر الله وخامنئى، وطوابير مثلهم بلا حصر.
يعيش القطاع تحت ثِقل اللحظة الطوفانية، ووطأة مُفجّرها المُقامر رغم رحيله. ما أُسمّيه «تأثير السنوار»؛ إذ يُجبر ورثته على البقاء فى حظيرة التشدُّد، ويردعهم عن أى تفكير براجماتى، أو تنازُل لصالح المنكوبين.
والعامل نفسه حاضر داخل الخيمة العبريّة؛ إذ لن يكون بمقدور أى بديل عن نتنياهو، ولو جاء من اليسار نفسه، أن يحلّ وثاق الغزيين والسلطة، أو يسمح ببقاء الحزب والفصائل، أو يتوقّف عن مُطاردة إيران قبل إسقاط العمامة عن رأس الهضبة الفارسية.
أى نتيجة غير الهزيمة الساحقة؛ ستكون مُكافأة لليمين. اختيار نتنياهو تصويت لثلاث سنوات من الدم، وطعن فى بدائله المطروحة.
وإسقاطه الناعم تثبيت لرؤيته وما فرضه على إسرائيل؛ إذ الطبيعى أن يُشطَب مع إرثه، وطالما يسير الجميع على السكّة التى رسمها؛ فإنه يحكم ولو طُرِد من قاعة الحُكم.
سيظل السنوار مُقيمًا لفترة طويلة فى الوعى النكبوى، وإرث الهزيمة والضياع. ونتنياهو يصعد نحو الأسطورة التى أرادها دومًا؛ وإن بنكهة وحشيّة مُعمّدة بالدم.
وقعت إسرائيل تحت تأثير الأول، ليقبض الثانى على قيادها، ويصبغها بلونه. إنها وحشٌ ينتظر أن تكتمل ولادته فى الصناديق، بأول انتخابات بعد الإبادة، عندما يقرر الإسرائيليون جميعًا بإرادتهم الحُرّة أن يكونوا شركاء فى العار!