الشفرة النوبية.. حين تحولت لغة الأجداد إلى سلاح فى حرب أكتوبر «صور»

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 12:56 م
الشفرة النوبية.. حين تحولت لغة الأجداد إلى سلاح فى حرب أكتوبر «صور» الصول أحمد محمد أحمد إدريس صاحب الشفرة النوبية فى حرب أكتوبر

عبد الله صلاح

في الحروب لا تكون الأسلحة دائمًا مدافع وطائرات ودبابات، فقد تتحول كلمة واحدة إلى وسيلة لحماية خطة عسكرية، وقد تصبح لغة يتحدث بها أبناء منطقة بعينها مفتاحًا للحفاظ على سرية الاتصالات في أكثر اللحظات حساسية.

 

ومن بين القصص المرتبطة بحرب أكتوبر 1973، تبرز حكاية استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية، بعدما جرى توظيف مفردات نوبية داخل إشارات اللاسلكي لمنع العدو الإسرائيلي من فهم مضمون الأوامر المتبادلة بين القوات المصرية.

 

القصة التي ارتبطت باسم الصول أحمد محمد أحمد إدريس، ابن قرية توماس وعافية النوبية، تكشف جانبًا مختلفًا من الاستعداد لمعركة أكتوبر، حيث لم تقتصر المعركة على عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وإنما سبقتها معركة أخرى للحفاظ على سرية التحركات والأوامر العسكرية، خاصة في ظل امتلاك الجانب الإسرائيلي آنذاك قدرات متقدمة في التنصت على الاتصالات العسكرية.

 

من أزمة الاتصالات إلى فكرة غير تقليدية

مع تكرار نجاح إسرائيل في اعتراض وفك بعض الاتصالات والإشارات العسكرية، ظهرت الحاجة إلى وسيلة أكثر أمانًا للتواصل بين الوحدات المصرية، وهو ما وضع القيادات العسكرية أمام تحدٍ حقيقي قبل المعركة.

 

وسط هذه الظروف ظهرت فكرة الاستعانة باللغة النوبية، باعتبارها لغة محكية ذات خصوصية شديدة، ولا تعتمد على نظام كتابة متداول يمكن للمتنصت الأجنبي دراسته بسهولة وتحولت اللغة من وسيلة للتواصل بين أبناء النوبة إلى أداة يمكن استخدامها في نقل الأوامر العسكرية دون الكشف المباشر عن مضمونها.

 

وتُنسب فكرة طرح استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية خلال حرب أكتوبر إلى الصول أحمد إدريس، الذي كان يعمل في سلاح الإشارة، وسبق له الخدمة في القوات المسلحة واكتساب خبرات متنوعة خلال سنوات خدمته العسكرية.

 

كلمات نوبية تحمل معاني عسكرية

لم يكن استخدام اللغة النوبية قائمًا على نقل الأحاديث بصورة عشوائية، وإنما ارتبط بتحويل بعض الكلمات والمصطلحات إلى دلالات عسكرية يفهمها المتلقون داخل الوحدات التي جرى تدريبها على هذا الأسلوب.

 

ومن أبرز المصطلحات التي ارتبطت بالقصة كلمة «أوسكو»، التي استخدمت للدلالة على التحرك، و«أوشريا» التي ارتبطت بأمر الضرب، إلى جانب «أولوم» التي ارتبطت بالدبابة.

 

كما تضمنت المصطلحات المستخدمة تسميات لمعدات وآليات عسكرية، منها «اسلانجي» للعربات الحربية المجنزرة، و«زندنابي» للطائرة، إلى جانب مصطلحات أخرى جرى تداولها داخل الاتصالات العسكرية وفق المعاني المتفق عليها مسبقًا. وبذلك أصبحت الكلمات التي تبدو عادية بالنسبة لمن لا يعرف اللغة النوبية تحمل معاني مختلفة تمامًا داخل منظومة الاتصالات، وهو ما منحها قيمة عسكرية باعتبارها جزءًا من وسيلة التشفير والتواصل.

 

اللغة النوبية.. شفرة يصعب اختراقها

تكمن أهمية الفكرة في طبيعة اللغة نفسها، فقد كانت اللغة النوبية في ذلك الوقت تعتمد بصورة أساسية على التوارث الشفهي، وهو ما جعل التعامل معها أكثر صعوبة بالنسبة لمن يحاول اعتراض الاتصالات وفهمها دون معرفة مسبقة بها.

 

وتضم اللغة النوبية عدة فروع ولهجات، من بينها الفاديجا والماتوكية في مصر، إلى جانب المحسية والدنقلاوية في السودان، وهو تنوع لغوي يعكس امتداد الثقافة النوبية عبر مناطق مختلفة من وادي النيل.

 

وفي حالة الاتصالات العسكرية، كان الهدف الأساسي هو أن يتحدث الطرف المرسل باللغة النوبية، ثم يفهم الطرف المستقبل المعنى المقصود وفق المصطلحات المتفق عليها، بينما تظل الإشارة بالنسبة إلى من يعترضها مجموعة من الكلمات التي يصعب ربطها مباشرة بالأوامر والتحركات العسكرية. وهنا تحولت لغة الأجداد إلى ما يشبه كلمة السر في واحدة من أهم المعارك في التاريخ المصري الحديث.

 

الصول أحمد إدريس.. صاحب الفكرة

ارتبطت هذه القصة بصورة خاصة بالصول أحمد محمد أحمد إدريس، الذي خدم في القوات المسلحة لسنوات طويلة، وشارك في مراحل مختلفة من تاريخ العسكرية المصرية قبل حرب أكتوبر. وتشير الرواية المتداولة إلى أن خبرته العسكرية، ومعرفته بمناطق سيناء وطبيعة العمل داخل القوات المسلحة، إلى جانب إجادته للغة النوبية، ساعدت في طرح فكرة الاستفادة منها في الاتصالات.

 

وبحسب الرواية، انتقلت الفكرة من مستوى المقترح إلى دوائر القيادة العسكرية، ثم جرى بحث إمكانية تطبيقها والاستعانة بأبناء النوبة الذين يجيدون اللغة بصورة صحيحة، خاصة ممن ينتمون إلى الجيل الذي عاش في النوبة القديمة قبل التهجير. وكانت السرية عنصرًا أساسيًا في نجاح الفكرة، إذ ظلت تفاصيلها بعيدة عن التداول لسنوات طويلة، ولم تصبح القصة معروفة على نطاق واسع إلا بعد مرور عقود على حرب أكتوبر.

 

ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الفكرة

لا تنفصل قصة استخدام اللغة النوبية في حرب أكتوبر عن وقائع أخرى سبقتها، ارتبطت بمحاولات الاستفادة من اللغة ذاتها في الظروف العسكرية. وظهرت قبل ذلك فكرة استخدام اللغة النوبية في الاتصالات خلال حرب فلسطين عام 1948، حين ارتبطت إحدى الروايات باستخدامها وسيلة للتواصل بين الجنود المصريين خلال حصار الفالوجة.

 

وبين تجربة 1948 وتجربة 1973، برزت اللغة النوبية باعتبارها وسيلة اتصال تحمل خصوصية شديدة، خاصة مع قلة عدد من يجيدونها خارج المجتمعات النوبية، وهو ما منحها قيمة إضافية في المواقف التي تتطلب الحفاظ على سرية المعلومات.

 

من لغة الأجداد إلى ذاكرة النصر

لم تتوقف علاقة أبناء النوبة بحرب أكتوبر عند استخدام اللغة في الاتصالات العسكرية، فقد شارك النوبيون في صفوف القوات المسلحة خلال مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وكان أبناء النوبة جزءًا من النسيج العام للجيش المصري.

 

وفي الجبهة، لم تكن الحياة العسكرية كلها أوامر وتحركات وعمليات، فقد حمل الجنود معهم ثقافاتهم ولهجاتهم وأغانيهم وعاداتهم، وكان أبناء النوبة يرددون الأغاني النوبية في أوقات الراحة والسمر، فتتحول تلك اللحظات إلى مساحة تجمع بين الجنود من مختلف محافظات مصر.

 

ومن هنا تحمل قصة الشفرة النوبية بعدًا يتجاوز فكرة استخدام مجموعة من الكلمات في الاتصالات، لتصبح جزءًا من حكاية أوسع عن مشاركة أبناء النوبة في الدفاع عن وطنهم، وعن انتقال عنصر ثقافي من الحياة اليومية إلى ميدان المعركة.

 

تكريم صاحب الفكرة وتخليد القصة

ظلت قصة الصول أحمد إدريس بعيدة عن الأضواء لسنوات طويلة، قبل أن تظهر إلى العلن بصورة أكبر، خاصة مع الحديث عن دوره في طرح فكرة استخدام اللغة النوبية خلال حرب أكتوبر. وجرى تكريمه من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إحدى احتفالات ذكرى نصر أكتوبر، ليصبح اسمه مرتبطًا في الذاكرة المصرية بقصة الشفرة النوبية التي ارتبطت باتصالات القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر.

 

وفي أسوان، اتخذ تخليد اسمه مسارًا آخر بإطلاق اسمه على مدرسة أحمد محمد إدريس الرسمية للغات بنصر النوبة، لتظل سيرته حاضرة أمام الأجيال الجديدة، بعد وفاته.

 

تمثال يخلد صاحب الشفرة

مع مرور السنوات، ظهرت مطالب من أسرة الصول أحمد إدريس وأبناء النوبة بتخليد اسمه بصورة أكبر، من خلال إقامة تمثال له في أحد ميادين مدينة أسوان، باعتبار أن قصته تمثل جانبًا من إسهامات أبناء المحافظة في حرب أكتوبر.

 

وتأتي هذه المطالب في إطار الرغبة في تحويل القصة من مجرد رواية مرتبطة بذكرى سنوية إلى جزء ثابت من الذاكرة البصرية والتاريخية لأسوان، خاصة أن المحافظة قدمت عددًا كبيرًا من أبناء القوات المسلحة الذين شاركوا في الحروب المصرية المختلفة.

 

عندما أصبحت لغة الأجداد جزءًا من المعركة

تظل قصة الشفرة النوبية واحدة من الحكايات اللافتة المرتبطة بحرب أكتوبر، لأنها تكشف كيف يمكن لعنصر ثقافي محلي أن يتحول في لحظة تاريخية إلى وسيلة ذات أهمية عسكرية. فالكلمات التي كانت تُستخدم داخل البيوت والقرى النوبية للتواصل بين أبناء المجتمع، أصبحت وفق الرواية المرتبطة بالقصة تحمل دلالات عسكرية داخل أجهزة اللاسلكي، وأصبح فهمها مقصورًا على من يعرف معناها الحقيقي.

 

وهكذا ارتبطت اللغة النوبية بواحدة من أبرز صفحات التاريخ المصري الحديث، لتبقى قصة الصول أحمد إدريس والشفرة النوبية شاهدًا على أن الانتصار لم تصنعه المعدات العسكرية وحدها، وإنما شارك في صناعته أيضًا الإنسان المصري بما يحمله من معرفة وثقافة وخبرة، وتحولت لغة الأجداد في لحظة فارقة إلى جزء من أدوات المعركة.

 

يُشار إلى أن حرب أكتوبر 1973 شهدت عبور القوات المسلحة المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر، واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، في واحدة من أبرز المحطات العسكرية في التاريخ المصري الحديث، وأصبحت تفاصيل المعركة وما ارتبط بها من بطولات وأسرار عسكرية جزءًا من الذاكرة الوطنية التي تستعاد كل عام مع ذكرى النصر.

 

أبطال حرب أكتوبر
أبطال حرب أكتوبر

 

‪الصول إدريس صاحب فكرة الشفرة النوبية
‪الصول إدريس صاحب فكرة الشفرة النوبية

 

صور إدريس فى شوارع أسوان
صور إدريس فى شوارع أسوان



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة