سيناء فى خمسة عقود.. من أرض المعركة إلى مقصد سياحى عالمى

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 04:04 م
سيناء فى خمسة عقود.. من أرض المعركة إلى مقصد سياحى عالمى سيناء أرض الفيروز ـ صورة أرشيفية

(أ ش أ)

تمثل حرب أكتوبر عام 1973 نقطة تحول تاريخية فارقة فى مسار مصر الحديث، ليس فقط على المستويين العسكرى والسياسى، وإنما كذلك فى مسيرة استعادة سيناء وإعادة دمجها تدريجيًا فى منظومة التنمية الوطنية، وصولًا إلى تحويل أجزاء واسعة منها إلى أحد أبرز المقاصد السياحية فى مصر والمنطقة.

 

من أرض المعركة إلى استعادة سيناء

فبعد يونيو 1967، ظلت مساحات واسعة من أرض الفيروز ذات طبيعة عسكرية، وتراجعت فيها مظاهر التنمية المدنية والحركة السياحية، قبل أن يفتح انتصار أكتوبر الطريق أمام مسار سياسي ودبلوماسي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضي سيناء في 25 أبريل 1982، بينما استمرت معركة استرداد طابا حتى صدر حكم التحكيم الدولي في سبتمبر 1988، وعادت المنطقة إلى السيادة المصرية، ورفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989.

ومع اكتمال استعادة الأرض، بدأت سيناء تتحول تدريجيًا من مسرح للصراع العسكري إلى مساحة مفتوحة أمام مشروعات التنمية والاستثمار والسياحة، وهي عملية لم تكن سهلة أو سريعة، إذ تطلبت إزالة آثار الحرب والألغام، وإعادة تأهيل البنية الأساسية، ومد الطرق، وتوفير مصادر المياه والكهرباء، وإنشاء المطارات والموانئ، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة السكان والنشاط الاقتصادي.

وفي السنوات الأولى بعد استعادة سيناء، كانت مناطق واسعة، خاصة في الجنوب، تفتقر إلى البنية الأساسية الحديثة، وكانت الحركة السياحية محدودة للغاية مقارنة بما أصبحت عليه لاحقًا.. ومع توالي مشروعات التنمية، بدأت المقومات الطبيعية الفريدة لجنوب سيناء في جذب الاستثمارات، خاصة في شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، مستفيدة من الشواطئ والشعاب المرجانية والمياه الصافية والجبال والصحراء والمناخ الملائم للسياحة على مدار العام.

 

شرم الشيخ ودهب.. انطلاقة السياحة في جنوب سيناء

وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، بدأت شرم الشيخ في التحول من تجمع سياحي محدود إلى مقصد دولي، بالتوازي مع ظهور مراكز للغوص والرياضات البحرية والأنشطة البيئية والمغامرات.. فيما احتفظت دهب بطابعها الخاص الذي جعلها مقصدًا للغواصين ومحبي الطبيعة والمغامرات، فيما اكتسبت مناطق طابا ونويبع أهمية متزايدة في خريطة السياحة الشاطئية والبيئية.

ومع بداية الألفية الجديدة، دخلت السياحة في سيناء مرحلة أكثر اتساعًا، مع زيادة الاستثمارات في الفنادق والمنتجعات ومراكز الغوص والخدمات الترفيهية، وتحولت شرم الشيخ إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية المصرية، مستقبلة أعدادًا كبيرة من السائحين من الأسواق الأوروبية والعربية وغيرها.

وفي الوقت نفسه، تطورت أنماط سياحية أخرى في سيناء، من بينها السياحة البيئية وسياحة المغامرات في المحميات الطبيعية والوديان والجبال، والسياحة الروحية في منطقة سانت كاترين، إلى جانب السياحة التاريخية والأثرية التي تستند إلى تعدد المواقع التي تعكس طبقات متراكمة من تاريخ المنطقة.

 

تحديات واجهت القطاع السياحي

ولم تكن مسيرة السياحة في سيناء مستقرة بصورة دائمة، فقد تعرض القطاع لعدد من الأزمات، كان من أبرزها سلسلة التفجيرات الإرهابية التي استهدفت منتجعات طابا وشرم الشيخ ودهب بين عامي 2004 و2006، وألحقت أضرارًا كبيرة بصورة المقصد السياحي وأثرت على الحركة الوافدة والإشغالات الفندقية.. كما تأثرت السياحة بما شهدته البلاد من اضطرابات سياسية وأمنية بعد عام 2011، ثم بجائحة كورونا، فضلًا عن تداعيات التوترات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة.

ورغم هذه التحديات، أثبت المقصد السيناوي قدرة ملحوظة على التعافي، مدعومًا بتنوع الأسواق السياحية وتعدد المنتجات التي تقدمها المنطقة، إلى جانب استمرار تطوير البنية الأساسية ورفع كفاءة الخدمات والترويج السياحي.

ومنذ عام 2014، دخلت سيناء مرحلة جديدة من التنمية الشاملة، مع تنفيذ مشروعات ضخمة في قطاعات النقل والمياه والكهرباء والزراعة والصناعة والإسكان والسياحة، وربط شبه الجزيرة بباقي محافظات الجمهورية من خلال شبكة من الطرق والمحاور والأنفاق، فضلًا عن تطوير المطارات والموانئ.

وتشير أحدث بيانات عرضها مجلس الوزراء إلى تنفيذ 975 مشروعًا في شبه جزيرة سيناء خلال الفترة من 2014 إلى 2026 بتكلفة استثمارية بلغت نحو 638 مليار جنيه، شملت تحسين مستوى معيشة المواطنين، وإنشاء مجتمعات جديدة، وتهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار وتطوير شبكات النقل والمياه والكهرباء والاتصالات.. كما سبق أن أعلنت الحكومة استهداف ضخ استثمارات جديدة بنحو 400 مليار جنيه، ليصل إجمالي الاستثمارات المستهدفة لتنمية سيناء إلى أكثر من تريليون جنيه.

وفي القطاع السياحي تحديدًا، تعكس الأرقام حجم التحول الذي شهدته سيناء؛ إذ بلغ عدد الفنادق المرخصة في شبه الجزيرة 236 فندقًا بطاقة استيعابية تصل إلى 63 ألفًا و613 غرفة فندقية، وفق بيانات منشورة في أبريل 2026.

وفي شرم الشيخ، ارتفعت معدلات الإشغال الفندقي من 36% في يناير 2023 إلى 91% في مايو 2025، بحسب تصريحات محافظ جنوب سيناء، فيما ارتفع عدد الرحلات الجوية الوافدة إلى المدينة من 9051 رحلة عام 2023 إلى 11540 رحلة عام 2024، ثم إلى 14561 رحلة حتى أغسطس 2025، بما يعكس تنامي الطلب السياحي على المدينة.

كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لمطار شرم الشيخ الدولي إلى نحو 9 ملايين راكب سنويًا بعد تطوير مبنى الركاب رقم 2، وذلك في إطار خطة تستهدف مواكبة النمو في حركة السفر والسياحة إلى المدينة.

ولا تقتصر أهمية سيناء السياحية على السياحة الشاطئية، إذ تمتلك المنطقة مزيجًا نادرًا من السياحة البحرية والبيئية والمغامرات والروحية والتاريخية.. وتبرز في هذا السياق محمية رأس محمد، والبلو هول في دهب، ومناطق السفاري والجبال والوديان، فضلًا عن دير سانت كاترين وجبل موسى، والمواقع الأثرية في شمال وجنوب سيناء.

وفي إطار هذا التنوع، يبرز كذلك مسار العائلة المقدسة باعتباره أحد أهم المنتجات السياحية الروحية والثقافية التي تربط سيناء بعدد كبير من المواقع المصرية في الدلتا والقاهرة والصعيد.

ووفق المصادر الرسمية، بدأت رحلة دخول العائلة المقدسة إلى مصر من رفح في شمال شرق البلاد، ثم اتجهت إلى الفرما، قبل أن تواصل رحلتها عبر عدد من المواقع وصولًا إلى أسيوط، ومنها بدأت رحلة العودة إلى الأراضي المقدسة.

ويبلغ طول المسار نحو 3500 كيلومتر ذهابًا وعودة، ويضم 25 نقطة رئيسية في 11 محافظة، وهو ما يمنحه طبيعة مختلفة عن كثير من المنتجات السياحية التقليدية، إذ يجمع بين البعد الديني والتاريخي والثقافي والبيئي، ويمتد من شمال سيناء إلى صعيد مصر.

وتعود أهمية سيناء بالنسبة إلى المسار إلى كونها بوابة دخول العائلة المقدسة إلى مصر، حيث تمثل رفح ثم الفرما بداية الرحلة داخل الأراضي المصرية وفق الرواية التاريخية والتراث القبطي.. وتعد منطقة الفرما، أو بيلوزيوم القديمة، واحدة من أهم المواقع الأثرية في شمال سيناء، بما تضمه من بقايا أثرية تعكس أهمية المدينة خلال العصور المصرية والرومانية والبيزنطية.

وشهدت منطقة الفرما أعمال تطوير وترميم ضمن الجهود الرامية إلى إحياء مسار العائلة المقدسة، شملت عددًا من المنشآت والعناصر الأثرية، إلى جانب أعمال تحسين الطرق والخدمات واللوحات الإرشادية وتجهيز المنطقة لاستقبال الزائرين.. كما تتواصل جهود تطوير عدد من المواقع الأثرية في شمال سيناء، بما يعزز فرص دمج السياحة الثقافية والروحية مع المنتج الشاطئي الذي تشتهر به المنطقة.

وعلى المستوى الوطني، تبنت الدولة المصرية مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة باعتباره مشروعًا سياحيًا وتراثيًا وتنمويًا، بالتنسيق بين الجهات المعنية والمحافظات والكنيسة القبطية الأرثوذكسية.. وشملت جهود التطوير ترميم عدد من الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية، ورفع كفاءة الطرق والبنية الأساسية المحيطة بها، وإعداد مواد ترويجية للمسار بعدة لغات.

كما اكتسب المشروع بعدًا دوليًا بعد زيارة البابا فرنسيس إلى مصر عام 2017، وما ارتبط بها من إدراج أيقونة العائلة المقدسة في كتالوج الحج المسيحي في الفاتيكان، ثم إدراج مصر ضمن برامج الحج التي تنظمها مؤسسة الحج التابعة للفاتيكان.

وتشير بيانات رسمية إلى أن المشروع يمتد عبر 25 نقطة في 11 محافظة، فيما ساهمت المحافظات ووزارة التنمية المحلية بمئات الملايين من الجنيهات في أعمال البنية الأساسية وتنسيق المواقع، إلى جانب تخصيص وزارة السياحة والآثار 60 مليون جنيه للمشروع وفق بيانات حكومية سابقة.

ويمثل ربط مسار العائلة المقدسة بالمقاصد السياحية الأخرى فرصة لتعظيم العائد الاقتصادي من المنتج، إذ يمكن دمج الزيارات الدينية والثقافية مع السياحة النيلية والآثار المصرية القديمة والمقاصد الشاطئية، بما يسمح بإطالة مدة إقامة السائح وتوزيع الحركة على عدد أكبر من المحافظات والمناطق.

 

مسار العائلة المقدسة.. بوابة روحية عبر سيناء

وفي هذا الإطار، لا تبدو العلاقة بين تنمية سيناء ومسار العائلة المقدسة مجرد علاقة جغرافية، وإنما يمكن أن تشكل جزءًا من رؤية أوسع لتنويع المنتج السياحي المصري، بحيث لا تظل السياحة مرتبطة بمقصد واحد أو نمط واحد، وإنما تقدم للسائح تجربة تجمع البحر والجبل والصحراء والتاريخ والآثار والروحانية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في شمال سيناء، التي تمتلك مقومات تاريخية وأثرية وسياحية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار والتطوير والترويج، وفي مقدمتها الفرما ومواقعها الأثرية، إلى جانب الطبيعة البيئية الفريدة لمحمية الزرانيق ومناطق أخرى في المحافظة.

وقصة السياحة في سيناء تعكس تحولًا ممتدًا من أرض كانت لسنوات طويلة ساحة للصراع العسكري إلى منطقة تتسع فيها مشروعات التنمية والاستثمار والسياحة، مستفيدة من استعادة الأرض وتطوير البنية الأساسية وتنوع المقومات الطبيعية والتاريخية.

وبعد أكثر من خمسة عقود على حرب أكتوبر، أصبحت سيناء تمتلك قاعدة فندقية وسياحية كبيرة، ومطارات وطرقًا ومنشآت خدمية متطورة، إلى جانب مقومات طبيعية وثقافية وروحية تمنحها القدرة على المنافسة في سوق السياحة الدولية.. وفي القلب من هذا التحول تظل شرم الشيخ ودهب وطابا ونويبع وسانت كاترين نماذج بارزة لمقاصد سياحية مختلفة داخل مساحة جغرافية واحدة.

ويظل التحدي خلال المرحلة المقبلة هو الحفاظ على هذا النمو، ليس فقط من خلال زيادة الطاقة الفندقية وأعداد السائحين، وإنما كذلك عبر رفع جودة الخدمات، وتنويع الأسواق والمنتجات، وحماية البيئة البحرية والشعاب المرجانية، والحفاظ على التراث الأثري والروحي، وإشراك المجتمعات المحلية في عوائد التنمية.

وبذلك تتحول سيناء بصورة أكبر إلى مقصد سياحي متكامل لا يقوم فقط على الشواطئ والمنتجعات، وإنما يجمع بين البحر والصحراء والجبال والآثار والتاريخ والروحانية، ويقدم للسائح تجربة مصرية متعددة الأبعاد، تبدأ من أرض الفيروز وتمتد عبر مسار العائلة المقدسة إلى قلب الدلتا والقاهرة والصعيد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة