يومٌ ليس كسواه، لا يتقادُم ولا تنتهى صلاحيته، ولا يُنسَب لشخصٍ أو فئة دون الآخرين.. فرحته جماعيّة، وملكيّته مشاعيّة، وأبطاله لا أوّل لهم ولا آخر.
كُنت فى صباى ميّالاً لعبد الناصر، مُحايدًا تجاه مبارك، ومتحاملاً على السادات. واليوم أحتفل بالثلاثة معًا، وأحفظ لهم أقدارهم؛ من غير أن أرفع عنهم خطاياهم أيضًا.
تتنوع الآراء، والاختلاف حق؛ غير أن الأيديولوجيا حجاب، والنُضج يُجنّب اختزال السياسة فى لونين أوّلين: أبيض وأسود.
يُمكن أن نتلاقى مع شخصٍ فى مسألةٍ، ونجافيه فى غيرها، وأن تكون الوشائج الخفية أوثقٌ مِمّا يتبدّى للعيان، وما نظنه بفهمٍ قاصرٍ، وانحيازاتٍ مُسبقة، عن التاريخ وسككه الوَعرة.
ثلاث وخمسون سنة على حرب أكتوبر، والرؤساء الثلاثة مساهمون فيها؛ وإن بأنصبة متفاوتة. الأول أطل عليها من قبره، وخليفتاه من غرفة القيادة؛ لكنهم كانوا سلسلة واحدة متصلة، وأحسب أنها لم تنقطع حتى الآن.
يرى الرئيس السيسى المسألة كما أراها غالبا؛ لهذا ضم زعيم ثورة يوليو إلى قائمة المُحتفَل بهم فى أكتوبر، وزار قبره بإكليل الورد، مثلما فعل مع قبور الأبطال، المعلوم منهم والمجهول، فى منطقة النصب التذكارى.
عندما صعد السادات للسلطة فى عقب ناصر، تعهد بأن يسير على خُطاه، وتندر الناصريون وسواهم بأنه سار فعلا؛ لكن بممحاة (أستيكة).
والحق؛ أن النظر عن مقربة، وبعُمق وصفاء، يؤكد أن الرجل المطعون فيه من كل مَن هب ودب، وطنى عظيم بلا جدال، وناصرى أكثر من كل من رفعوا تلك الراية أو اتخذوها تجارة.
وإذا كان أثمن ما قدمه جمال فى تجربته غير الطويلة، ولا القصيرة أيضا، الاستقلال والتحرر، وإرساء ركائز الدولة الوطنية؛ ثم النظر فى أن تكون صالحة للانطلاق، وقادرة على تحقيق صالح مواطنيها؛ فكل ما أتاه الخلف لا ينحرف عن فكر السلف، ويطابقه كوقوع الحافر على الحافر.
لا شىء يتقدم على الثأر؛ لاسترداد الأرض وترميم جدار الكرامة. ويجب ألا تكون الكلفة الباهظة حائلا عن البناء والتنمية، ومغادرة القديم إلى الجديد بما يتواءم من السياق العالمى، ويختبر الصيغة الأفضل للموازنة بين الإمكانات والحاجات. سواء سمّيناه انفتاحا أو تحريرا لسوق كانت مقيّدة، ومشوّهة أيضا.
القائد الحالم أرادها جنة اشتراكية، ولا نطعن فى نواياه؛ إنما قادته المرحلة بضغوطها إلى غير ما سعى، فبُنِىَ الحق على باطل، ومُسِخ مع الأيام حتى غلبت سوءاته على محاسنه، وتحولنا إلى رأسمالية دولة مريضة، تتغوّل فيها البيروقراطية على الجميع، وتُسمّن الضباع فى حظائر الغنم.
لعلّها الطوباوية المفرطة، أو الخفة وحداثة التجربة. لم تكن الملكيّة مثالية من أى وجه، ولا حققت الناصرية المطلوب. انتكست التجربة بقسوة، ومنحنا الهزيمة تسمية مخادعة، وكان علينا أن نقضى سنوات نلعق جراحنا، نحصى أخطاءنا، ونتعلم الدروس بأثر رجعى، بالألم والمعاناة، ومن دون مكابرة أو تجميل.
تسلّم السادات بلدا مُنهكا على كل المستويات، مبتور منه قرابة عُشر مساحته، وأضعافها فى الاقتصاد والقوّة والموارد، ومن الثقة والروح المعنوية قبل كل ذلك. غير أنه ما ابتدع شيئا، ولا أحدث فى أمرنا ما لم يكن فيه أصلا. وهنا يحضر ناصر من برزخه؛ ليظلل المسافة بين الانكسار والانتصار.
رجل الهزيمة، كما يوصَم من كارهيه، شريك فى أكتوبر التى يترصّد دراويشه لبطلها؛ وبالعقل والحقائق، لا بالعاطفية التى يُفرطون فيها ويبالغون بنسبة كلّ شىء تقريبا إليه قبل سواه.
ومن المبالغة، أن يختزلوا الحرب فى محطة الاستنزاف، مُتجاهلين وقف إطلاق النار، أو يزعموا أن الخطة كانت كاملة فى خزانته، وما فعل وريثه شيئا إلا أن وضعها على الطاولة!
الشراكة فى الحقيقة نابعة من الدولة ذاتها، من فكرة العقل المُؤسَّسى، والاتصال الذى تحقّقه السلسلةُ الصلبة، وحبلها الشوكىّ الغليظ؛ بغض النظر عن خلفية الرئيس وتفضيلاته.
كما يصحّ أن تُحال أيضًا إلى أبوّة نظام يوليو، وأنَّ الوالد المُؤسّس كان صاحب الخطوة الأُولى بالفعل على طريق المراجعة والتقويم ورسم مساراتٍ مُغايرة.
يُفصَل دومًا بين الرجلين بخيطٍ واحد: يُميّز به شيعةُ الأوّل بين الشجاعة والمُهادنة، وتتبدّل الصفات لدى الفريق الثانى إلى الحنجورية فى مقابلة العقل.. والحال؛ أنها قسمةٌ ظالمة فى الحالين!
ثار السادات وهدأ، وفُصِل من الجيش وعاد، وحمل البندقية قبل أن يجلس للتفاوض.
وجمال غيّر الكثير فى زمنه، وغيّرته الأيام، من أوّل الشيب المُبكر وباقة أمراضه المُزمنة، وإلى النزول من سماء القومية الغائمة، إلى أرض الواقع بتعقيداته وأولوياته القاهرة.
تسجيلات عبد الناصر ما بعد 1967 بدأت تصفو من النبرة الزاعقة، وتنحو إلى التعقُّل وإعلاء الوطنية فوق ما عداها من شعارات. وافق على مُبادرة روجرز، فيما كان السادات ضدّها صراحةً، وبنص روايته الشخصية.
فى مقطعٍ مُصوّر للأخير، وكان مبارك إلى جواره، يقول إنه كان رئيسا للجنة السياسية فى الاتحاد الاشتراكى، وقد جمعها وأصدر توصية بالرفض.
ويروى فى كتابه «البحث عن الذات»؛ أنه عندما استقبل الرئيس فى المطار، عائدًا من موسكو، أخبره بأن أوراق اللعبة كلها فى اليد الأمريكية، ويتعيّن الالتفات إليها وإدخالها فى العملية.
وما أقتنع به؛ أن الزمن لو امتدّ بجمال ما كانت الدراما لتختلف فى شىء؛ إلا أن يحلّ على رأس الطاولة فى كامب ديفيد، ويُستَبدَل توقيعه بتوقيع السادات فى أوراق اتفاقية السلام.
سعى إلى التسوية السياسية؛ ولو وجد قبولاً لمساعيه أو تجاوبا معها؛ لأنجز الصفقة من دون حربٍ.
والسادات ما ذهب للقتال؛ إلا بعدما تيقّن أن الجبهة المُتجمّدة لا تثير قلق أحد، كما أن الطبق مهما كان شهيًّا؛ لا يؤكَل باردًا.
والجملةُ الأخيرة سمعها مستشارنا للأمن القومى، حافظ إسماعيل، بنصّها سالف الذكر، من نظيره ووزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر، فى رحلة لواشنطن سبقت المعركة.
أكتوبر مُعجزة مصر والمصريين، بكل فئاتهم وأطيافهم. وما كان النصر إلا ردًّا على الهزيمة، وامتدادًا لمساعى الاستدراك والترميم، بالتنحّى والاعتراف والاستنزاف وإعادة بناء الجيش.
وبالواقعية التى استوعبت سياقها المُحيط، إقليميا وعالميا، وعرفت فوارق القوّة، ونقاط الضعف، وكيف تُوازن بين التصلّب والليونة، لتعبر من دون أن تُكسَر أو تُعصَر.
مُقاتلٌ زادُه السلام، بتصرّف عن محمود حسن إسماعيل فى قصيدة «النهر الخالد»، والصفة تصلُح فيمن قاد الاستنزاف تمهيدًا للعبور، ومَن عبر تمهيدًا للتسوية واسترداد الحقوق بالدبلوماسية والقانون.
فعلها السادات؛ لأنه استوعب سريعًا ما تعثّر فيه ناصر، وآمن معه بالفكرة نفسها، وسار على دربه كما وعد.. ولأن البلد كلّه ما كان ليتسامح فى الحقّ، ولا ليتخلّى عن الحكمة، مُستعينًا بالسلاح، ومُستعدًّا للسياسة ومُواجهات العقول.
يقتصُ، ويستردّ كنزه المسلوب؛ ثم يعود إلى قواعده. يقف على الثغور شامخًا، مُهابًا، داعيا للسلام، ومدافعًا عنه بالقوّة، وقادرًا على أن يُخلّص ذاكرته من الاستقطاب والمراهقة، وأن يضع أبطاله جميعًا على قدم المساواة، دائمًا، ومع كل موعدِ فخرٍ واحتفال.