حازم حسين

عمائم وجنرالات وأوهام

الإثنين، 06 أبريل 2026 02:00 م


كان الجنرال ثلج حليفا وفيا لروسيا فى مواجهة خصومها، وبالكفاءة نفسها أمام نابليون كما ضد جيوش هتلر. وطقس البلاد يجب أن يلعب فى صفوفها دوما، وكذلك الطبوغرافيا.

ولدى إيران دروع جغرافية شتّى؛ غير أن أخطر ما يقع على عاتقها، أنها تخوض حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل تحت قيادة «الجنرال وهم»، بما يُعرف عنه من صخب ولجج وخطابة شعبوية بائسة.

أداء لا يتناسب مع الدعايات، وهروب إلى الخلف، أو بالأحرى حرق للمراكب وتطويق للذات، بالعدوان على دول الجوار.
إنما الأخطر ما تبدّى من انكشاف فادح منذ الرصاصة الأولى، بدءا بقتل المرشد الأعلى مع أرفع رجاله آخر فبراير الماضى، وإلى انتشال طيّارَى الـF15 التى أُسقِطَت نهار الجمعة الماضية.

وقائع الميدان لا تتناسب مع بيانات حرس الثورة ورسائله الإعلامية. يبدو كمن بدد رصيده الدائن، ويُراكم فى حساب المدين، أو ينفق من العاطفة على ما لا يقوم إلا بالعقل.

سارع إلى توجيه حادث المقاتلة فى اتجاه إظهار الفاعلية. ومن دون تبرير الاستباحة الكاملة لأكثر من ستة أسابيع، أو العناية بالتنسيب إلى نحو خمسة عشر ألف طلعة جوية أنجزتها واشنطن وحليفتها العبرية، ما يجعل النيل من واحدة يمثل أقل من عُشر الواحد الصحيح فى الألف.

والواقعة ليست عادية على الإطلاق؛ كى لا يُفهَم خطأ من الكلام أننى ساعٍ إلى تبسيطها أو التهوين من أثرها.

لقد رسمت خطا فاصلا لا يمكن معه الجزم بالسيادة الجوية للعدو. صحيح أنها لا تُعبّر عن نمط عملياتى، ولا يتبدّى من ورائها ما يشير إلى تطور نوعى فى الإمكانات والتسليح، كما لا تلغى فكرة الحرية والهيمنة شبه المطلقة؛ لكن الخطر أصبح عاملا حاضرا فى المُعادلة.

ولولا ما جاء بعدها مباشرة؛ لأقررت بعائدها المادى والمعنوى على السواء لإيران، بالرغم من محدودية تأثيرها الفعلى على الولايات المتحدة.
يمكن، بقدر من الصعوبة والتواطؤ؛ أن يُبرّر الوصول الأمريكى لأحد فردى الطاقم فى اليوم الأول، وبعد ساعات من السقوط. بأثر المفاجأة وتوافر المعلومة واتساع منطقة العمل ووعورتها.

ولكن عجز الطرف الآخر طيلة يومين تاليين، عن تحديد موقع الطيار الثانى، أو تأمين النطاق المحتمل لوجوده، فضلا على الرخاوة التى سمحت لوحدة كوماندوز بالإنزال والعودة، لا تعبّر إلا عن العمى والكساح؛ أيا كانت مبررت الشيوخ والجنرالات.

لا وجه للشبه بين اللحظتين، شكلا وفى المضمون والبيئة والتكتيكات. إنما لا يُقاوم الذهن رغبة الانصراف إلى حكاية رهائن السفارة فى طهران.
كان ذلك بعد شهور من الثورة وعودة الخمينى. عشرات الدبلوماسيين بقوا فى الأسر لسنة وعشرة أسابيع تقريبا.
وعندما سعت واشنطن إليهم بالقوة كانت فاجعة وفضيحة، خسرت فيها طائرتين وثمانية جنود.

وما عاد المُحتجزون إلا بصفقة توسطت فيها الجزائر، وأُنفذت بعد ساعات من دخول ريجان للبيت الأبيض.
ساعات وتنقضى مهلة ترامب المُمددة مرتين، وكان لوّح بالفعل يوم السبت بأن أبواب الجحيم ستنفتح على الجمهورية الإسلامية فى غضون يومين.
لا جديد؛ إن اكتفى بالغارات الجوية، ولو طوّرها بحسب التحذير لتشمل شبكة الطاقة، وبقية المرافق الحيوية ومكونات البنية التحتية.

لكنه تحدث سلفا عن السيطرة على جزيرة خرج، وعن قدرته على فتح مضيق هرمز بالقوة، ومن دون حاجة لمساعدة المتقاعسين من حلفائه الأوروبيين.
وما فات يعنى الإنزال على الجُزر، وربما يتطلب الأمر التموضع عند نقاط ارتكاز على الساحل المقابل من البر الرئيسى للهضبة الفارسية.
لن تكون نزهة قطعا، وغالب الظن أن عقلاء المؤسسة العسكرية فى الولايات المتحدة لن يسيروا بعيدا فى المقترح.
ولكن تظل احتمالات الجنون قائمة مع ترامب ورجاله من عينة وزير الحرب المسيحانى المتطرف، بيت هيجسيث، دون إغفال الدفعة المعنوية لعملية إنقاذ الطيار مؤخرا.

يميل الميدان لصالح الغزاة؛ أما الاستراتيجية فمع أصحاب الأرض. وذلك من غير مغالبة الحقائق الظاهرة، وإعادة تعريف الهزيمة والنصر من منطلقات عاطفية أو رغائبية.
لم تحسم واشنطن، وهى قادرة؛ وإن بتكلفة باهظة على الجميع. بقاء النظام فى إيران يُخفض رتبة الخسارة؛ إنما لا يُعد ربحا فى ذاته.
أما الادعاء بأن الصمود وحده يُتَرجَم انتصارا، أو أن طهران غير مهزومة ما لم تُقرّ بذاك؛ فإنه يستعير منطق حروب العصابات ليُوقّعه على بلد، يخرج على قدميه فعلا؛ إنما بأنف نازف وأوصال مقطّعة.

وفى كل الأحوال؛ سيدفع النظام حصّته من التكاليف مرغما؛ مهما أغرق فى العقائدية مبتعدا عن منطق الدنيا، أو ظل مقتنعا بكونه ميليشيا لا تُسأل فى الهمّ العام.
غاية ما تستطيع طهران أن تُطيل الوقت وترفع الكُلفة؛ لترهق الجميع معها.
لا معنى للتعدّى على الخليج إلا إشراك الآخرين قهرا فى معاركها، وبما لا يختلف عن تمددها الناعم والخشن فى الإقليم، وتخريب أربع من عواصمه.
فكأنها تتطوع بالبرهان على اتهامات العدو، وتُعظّم مخاوف الجار والصديق.

وأوجب واجباتها اليوم ليس المضىّ فى «عض الأصابع» إلى أن تتقطّع أطرافها؛ بل التعقل والرشد، ومحاولة طمأنة محيطها القريب مجددا، وجعله معها لا عليها، والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الإقليمى القديم.
باستثناء إسرائيل، لا مصلحة لأحد فى انكسار إيران؛ حتى الخليج والولايات المتحدة نفسها. هى عُقدة استراتيجية وفزّاعة وثقل وازن، بحسب الزاوية التى تنظر منها.

ولا خلاف معها طالما بقيت المخاطر دون المنافع، أو لم تعلُ عليها، وفى الأخيرة تقع المسؤولية على عاتق الصقور الفُرس، سواء طمعوا وتجرّأوا، أو استخفّوا واستُدرجوا للفخ.
تقع الدول وتقوم؛ بشرط أن تقف على توصيف دقيق لحالتها، ولا تكابر فى الاعتراف بقوّة الغريم وضعفها.
مهم جدا أن تعرف كيف تحارب، وأكثر أهمية أن تمتلك وصفة للنصر، والأهم على الإطلاق أن تُجيد استقبال الهزيمة واحتواءها والإفلات من قبضتها الخانقة؛ لتكون مجرد عثرة لا ضربة قاضية.

رغم الحشود؛ فليست لدى واشنطن الموارد الكافية لغزو برى؛ وإن كان بإمكانها تنفيذ جراحات نوعية شبيهة بعملية الطيار.
قوة غاشمة، وميزانية حربية تفوق سبعين ضعف الحرس والجيش الإيرانيين معا.
الاقتصاد وحده عبء واشنطن؛ لكن ترامب لا يخوض اللعبة بمنطق الأخ الأكبر، ويحرر نفسه من المسؤولية تجاه الآخرين، ولديه خطط لتعويض خسائره بالابتزاز وسواه من الطرق.

الذهاب معه لآخر مدى قد يُنتج صفقة، وقد يُحيل الإصابة المحتملة إلى طعنة قاتلة.
نظام الملالى فى مُغامرة وجودية، وكمن يُقامر بحياته فى لعبة «روليت روسى»؛ غير أن الفوهة موجهة إلى صدره فى الحالتين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة