في غفلة من الوعي، وبدفع من شغف مرضي باعتلاء منصات التواصل الاجتماعي، تحول الشارع في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه "استوديو مفتوح" لا تتوقف فيه الكاميرات عن الدوران.
لم يعد الهدف توثيق اللحظات السعيدة، بل باتت كاميرات الهواتف المحمولة تترصد "العثرات"، وتبحث عن "الفضائح"، وتقتحم خصوصيات المواطنين تحت ستار زائف من "البطولة" أو الرغبة في كشف الخارجين عن القانون.
لكن الحقيقة المرة التي تكشفها التحقيقات وواقع الحال تشير إلى أننا أمام ظاهرة "اغتيال معنوي" منظمة، بطلها مواطن يبحث عن "اللايك" وضحيته هي العدالة والخصوصية معاً.
إن هذا الهوس الذي أصاب قطاعاً من مستخدمي السوشيال ميديا جعلهم يتناسون، أو يتجاهلون عن عمد، القاعدة الذهبية في القانون التي تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
هؤلاء الأشخاص، الذين نصبوا من أنفسهم قضاة وجلادين على صفحاتهم الشخصية، يصورون المواطنين في مواقف حرجة أو يشهرون بهم بزعم توثيق جرائم، وبدلاً من أن يسلكوا المسار القانوني الرصين بإرسال هذه المواد إلى "وزارة الداخلية" عبر منصاتها الرسمية أو الاتصال برقم النجدة 122، يهرعون إلى "فيسبوك" و"تيك توك" لحصد المشاهدات، غير مدركين أنهم بهذا الفعل يرتكبون جريمة مكتملة الأركان.
عقوبات قانونية
على الصعيد القانوني، يجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة مباشرة مع نصوص قانون العقوبات المصري، وتحديداً المادتين 302 و303. فالقانون يحمي سمعة المواطنين وخصوصيتهم من التشهير.
إن نشر فيديو لشخص وتوجيه اتهامات له علناً قبل صدور حكم قضائي هو فعل يضع صاحبه خلف القضبان بتهم السب والقذف والتشهير، وتصل العقوبات فيه إلى الغرامات الباهظة والحبس، ليفاجأ "هاوي التصوير" بأنه انتقل من خانة "المبلغ" إلى خانة "المتهم".
أما الكارثة الأمنية التي يسببها هذا النشر العشوائي، فهي تتمثل في "طمس الأدلة" ومنح الجاني فرصة ذهبية للإفلات من العقاب.
إن المجرم، بمجرد رؤية مقطع الفيديو الخاص به يتصدر "التريند"، يبدأ فوراً في اتخاذ إجراءات احترازية؛ فقد يقوم بالتخلص من السلاح المستخدم، أو إخفاء المسروقات، أو تغيير معالم وجهه، أو حتى الهروب خارج البلاد قبل أن تصل إليه أجهزة الأمن.
وبذلك، يكون "المصور" قد قدم خدمة جليلة للمجرم، وعرقل جهود رجال المباحث الذين يعملون في صمت لجمع الأدلة وضبط الجناة دون إثارة بلبلة قد تضر بمسار التحقيق.
ولعل الوقائع الصادمة التي شهدتها محافظة الإسكندرية مؤخراً تعد جرس إنذار لكل من يظن أن "الكاميرا" تمنحه حصانة.
ففي واقعة أثارت غضب الرأي العام، رصدت أجهزة الأمن سيدة قامت بتصوير مقطع فيديو "تقشعر له الأبدان" لأطفال يتواجدون في شرفة منزلهم في وضعية تنذر بسقوطهم في أي لحظة.
وبدلاً من أن تتحرك فيها غريزة الإنقاذ، أو تسرع بإبلاغ شرطة النجدة التي كانت لتصل في غضون دقائق، وقفت السيدة تراقب المشهد من خلف شاشة هاتفها، وكأنها تخرج فيلماً سينمائياً، واكتفت بنشر الفيديو على صفحتها لجذب المتابعين، معرّضة حياة أطفال أبرياء لخطر داهم من أجل حفنة من التفاعلات الوهمية.
ولم يتوقف العبث عند هذا الحد، بل امتد ليشمل ترويع الآمنين واختلاق قصص وهمية. فقد رصدت وزارة الداخلية شخصاً آخر في عروس البحر المتوسط، قام بتصوير فيديو لطفل برفقة رجل وسيدة داخل سيارة، ونشره عبر صفحته الشخصية مدعياً أنها "واقعة اختطاف".
الكارثة الكبرى تمثلت في أن التحقيقات أثبتت أن المصور كان يعلم يقيناً أن الشخصين هما والدا الطفل، ولكنه فضل أن "يصنع دراما" من لا شيء، ويشعل نار الذعر في قلوب الأمهات والآباء، ويشوه سمعة أسرة شريفة، فقط ليقال إن صفحته هي "مصدر الأخبار الحصري".
إن وزارة الداخلية، بوعيها الأمني المعهود، وفرت كافة السبل للمواطنين لممارسة دورهم الإيجابي دون الوقوع في فخ التشهير.
الصفحة الرسمية للوزارة على فيسبوك، وتطبيق "وزارة الداخلية" على الهواتف، ورقم النجدة 122، كلها قنوات مفتوحة ومؤمنة لاستقبال البلاغات والفيديوهات.
إن إرسال الفيديو للجهات المختصة يضمن أن يأخذ القانون مجراه الطبيعي، ويحافظ على سرية البيانات، ويحمي المجتمع من الفوضى، ويمنع المجرمين من تعديل مساراتهم أو الهروب من العدالة.
يجب أن يعي الجميع أن "الهوس الرقمي" لا يجب أن يكون على حساب الأخلاق أو القانون، فالكاميرا أمانة، والكلمة مسؤولية، والوطن يحتاج إلى مواطن يعي أن حماية الأمن تبدأ بالبلاغ الرسمي، لا بـ "البوست" الذي يشعل الفتن ويهدر الحقوق.
إن العدالة لا تتحقق في ساحات "اللايكات"، بل في قاعات المحاكم وبجهود رجال الأمن الذين يواصلون الليل بالنهار لحماية هذا الوطن وآمنه.