ستنتهى الرحلة إلى ستة أقدام من الأرض، ما لم تعرف متى تنكفئ فى الوقت المناسب، لتمتلك ما تقدر عليه، وما ترتضيه لك الظروف والتوافقات المُتاحة.
تُحيل الإشارة السابقة لواحدة من قصص تولستوى البديعة.
رجل يضع مبلغا زهيدا مقابل امتلاك كل ما تطاله قدماه، سيرا أو جَريًا، شريطة أن ينطلق مع شروق الشمس، ويعود للنقطة ذاتها قبل الغروب.
اسمه باخوم، وأسقطته المُغريات كعادة البشر، أو كما يتوقع أى قارئ حصيف، ولو كان يسمع الحكاية للمرة الأولى على الإطلاق.
ساقه الطمع للابتعاد كثيرا، وعندما استدرك على شيطانه الجشع، اضطر لأن يبذل كل طاقته فى رحلة تثبيت الملكية المُشتهاة، فسقط صريعا بمجرد الوصول.
لم يمُت فقيرًا، ولا غنيًّا أيضًا. الحقيقة الوحيدة أنه مات، ولم يمتلك من ثروته الجديدة إلا قطعة بطول قامته!
ألف روبل كانت تمنحه أقل مما يُريّد، ورغبته المُتأججة دفعته لأبعد مِمّا يستطيع.
وهكذا تصير الكُلفة أعلى فى الحالين: الارتضاء بما لا يُغنى، أو الالتجاء قهرا للواقعية بعد إغراءات الخيال.
يصح إسقاط الحكاية على ما يجرى فى إيران. إذ أحيانا ما تُخطئ الدول خطايا الأفراد، وتتعثّر فى البديهيات، وتُعظّم العبء على نفسها والآخرين أيضا.
وحالما تتخطّى أُفق العودة الطبيعية، فإنها تسير بالقصور الذاتى إلى حتفها، كأى بطل تراجيدى بائس، يعرف النهاية ولا يسعى، أو يقدر، على تغييرها.
ما كان يُنجَز بخطوة واحدة، صار يتطلب عَدوًا لأيام وأسابيع.
وما ظل محل شكٍّ ودعايات مُتبادَلة، تأكَّد لأطرافه على الأقل، وأُقيمت الحجّة فيه بلا حاجة لتدليل، ولا مقدرة على تخطئة.
تعايش الجميع عقودا مع الجمهورية الإسلامية، بأصوليتها وانفلاتها ومشروعها لتصدير الثورة، وما عاد بالإمكان احتمالها بقدر ما مضى.
وذلك، بغضّ النظر عن كيفية التقويم، وما إذا كان يقود حتمًا لتغيير النظام، من الداخل أو الخارج، أم يُكتفَى فيه بتهذيبه وقص أظافره الطويلة.
طمعت فى أضعاف ما تقدر عليه، وذهبت أبعد مما يُمكنها العودة لتثبيت ملكيته قبل غروب شمسها، والخيرة بين أن تُقرّ بالهزيمة، فلا تستنفد طاقتها بمنطق انتحارى، أو تقتفى أثر النشوة بكل عنفوانها، إلى أن تسقط فى حفرتها مثل باخوم تولستوى.
شنّت الولايات المتحدة حربًا ظالمة، وتُعانى الإرهاق والاستنزاف، وما تزال عاجزة عن الحسم بعد ستّة أسابيع.
وقل ما شئت عن الاستكبار والشيطان الأكبر وموازين العالم المائلة.
كلام يصلح للدعاية ودغدغة القلوب واستدرار الدموع، لكنه لا يُوصّف وقائع الميدان، ولا يُغيّر حقائقه، وبالضرورة لا يعفى من مكر السوء.
ناهيك عن أن الملالى ليسوا جمعية خيرية، وكسّحوا فى طريقهم دُولاً ومُجتمعات، وخرّبوا عواصم ادّعوا صداقتها، وأضرّوا بالقضية الفلسطينية بقدر ما تاجروا بها وتربّحوا منها.
وإسرائيل معروفة للكافة، ولا حاجة لتضييع الوقت والمساحة فى تعريف المُعرَّف بشأنها، احتلّت بلدًا، وتطمع فى غيرها، وتُديّن السياسة والخرائط، تسلب الحقوق، وتنتفع من الإضرار بغيرها. وهكذا فعلت إيران للأسف.
الصراع الراهن ليس على مبادئ أو حقوق مشروعة، إنما صدام بين ظالمين على مظالم يتجاذبونها بين بعضهم، وكلٌّ منهم يُريد أن يُضيف أرضًا أو بشرًا لعصمته، لا أن يستنقذهم من أَسْر الغريم.
اندلعت الحرب على مغانم، ولن تتوقف إلا بأرباح وخسائر.
والمعروض اليوم لا يُلبّى طموحات الطرفين. وكلّما امتدّ خط النار، تضاعفت التكاليف، وتبدّلت مُعادلات التسوية هُنا وهناك.
من التخصيب ومخزون اليورانيوم العالى، إلى الباليستى والميليشيات.
ومن التلويح بمضيق هرمز، إلى أغلاقه فعليًّا. لن يُفرّط صقور الحرس فى حلاوة السيادة على ممرّ حيوى، ولن يسمح العالم بإبقائه عالقًا أو تكرار المُغامرة. فضلا على اتّخاذ الخليج رهينة.
مع نهاية اليوم تنتهى المُهلة الأمريكية، وقد مُدِّدت مرّتين علنًا، وثالثة بشكل ضمنى. ويُفتَرَض أن يفتح الجحيم بوّاباته على الهضبة الفارسية عندما يتوقّف العدّاد، حسبما لوّح ترامب.
وربما يُفاجئ الجميع بمدٍّ رابعٍ، أو باقتراح من خارج الصناديق كلها.
ورشة التفاوض لم تُغلق أبوابها بعد. لا تزال مصر نشطة مع تركيا وباكستان، وقدّمت الأخيرة تصوّرًا من مرحلتين، ومع إشراقة الثلاثاء سنكون عرفنا مصيرها، وهل أعلاها الطرفان أم أسقطاها كالمُعتاد.
خلاصتها باختصار، الوقف المؤقت لستة أسابيع، وتسوية أكبر خلال 15 إلى 20 يوما، مع التفاوض على إنهاء الحرب، وترتيبات مُتبادلة لبناء الثقة من الجانبين.
تستحيل العودة إلى ما قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضى، وبالبديهة إلى المرحلة السابقة على طوفان الأقصى المشؤوم.
تُكابر المُمانَعة فى الإقرار بالهزيمة، ويتشدد صقور اليمين الإسرائيلى المتطرف فى تسييد سردية النصر، ويريد نتنياهو أن يصل لصناديق الانتخابات تحت غبار المعارك.
والأدمغة نفسها مُستنسَخَة تحت العمائم السوداء والبيضاء، أو قبعات الحرس الخضراء.
تعرف إيران أنها لن تحصل على تعويض أو اعتذار، لكنها تتخيّل أنها فرغت من المضيق، وثبّتت مُعادلة هيمنتها عليه بلا رادّ لقضائها.
أخشى أن زمن العودة فات بالفعل، كما جرى فى قصة المزارع الروسى الطمّاع. والتكاليف تتضخّم، وتستحيل المُساكنة بين الفريقين.
مُجرّد شراء للوقت. فُسحة لالتقاط الأنفاس، ورهانات مُتبادَلة على أن ييأس الآخر أو تتفسّخ جبهته، فتنفك القبضة ويرتخى العزم.
المنطقة مُختنقة، والعالم يُكابد لعدم التصاق رئته أو تحجُّرها. بحث محموم عن الهواء، استعدادا لموجة تالية من الخلخلة والدخان.
كل ما يجرى مُحاولة للتحايل على الأزمة، وإرجاء الانفجار الكبير، لكنه آتٍ آتٍ فى كل الأحوال.