نستبشرُ بالماءِ كلما أردنا الوقوفَ بين يدي الخالق، نغسلُ أطرافَنا، نُسبغُ الوضوء، ونحسبُ أننا برئنا من الأدرانِ لمجردِ أن حَبَراتِ الماءِ تقاطرت عن الوجوه والأيدي، بيدَ أن هناك درناً أشدَ عِتاقاً لا تغسله المزاريب، وجرماً لا تَمحوه النوافل؛ إنه أدرانُ الصدور، وشوائبُ الضغائن التي تُثقل الأرواح وهي تتأهبُ للصلاة.
إن الصلاة ليست مجرد حركاتٍ ميكانيكية تُؤدى، ولا قياماً وإحناءً لصلبٍ يحملُ ضغينة، كيف لجسدٍ أن يسجد لله خاشعاً، بينما ينطوي قلبه على جمرِ الحقد؟ وكيف لِلسانٍ أن يلهج بـ "الرحمن الرحيم"، وهو يختزنُ للمخلوقين غِلاً وقطيعة؟ إن الصلاة بقلبٍ حاقدٍ هي خروجٌ عن جوهرِ العبادة، واستعراضٌ ظاهري لطهارة البدن، يغفلُ عن التلوّث الأكبر الذي يسكنُ الأوردة.
توضّأ بالمحبة قبل الماء، فالماءُ يُطهر الجلد، والمحبةُ تُطهر الروح، الماءُ يُزيل غبارَ التراب، والصفحُ يُزيل غبارَ الخصومات.
إن القلب الذي يحمل الضغينة يشبه إناءً مكسوراً؛ كلما صببتَ فيه من أنوار الصلوات والعبادات، تسرّبَ من قاعِ غِلّه ولم يبقَ منه شيء، فالطهارةُ ليست في صبّ قطرات على الجوارح، بل في صَبْرِ النفس على الغفران، وسَكبِ السكينة على القلوب الثائرة.
فإذا أردتَ أن تقوم في محرابك، أفرغ جرابك من الضغائن أولاً، اجعل من سلامة الصدرِ فرضك الأول، ومن التسامح ركنك الركين.
لا تقف في صفوف المصلين وبَيْنَ حَناياكَ طينٌ من الشحناء؛ فالصلواتُ لا ترتقي في السماء بأجنحةٍ مكسورة من الحقد، والدعاءُ لا ينفذ إلى عليين إذا خرج من حنجرةٍ يطوقها الغل.
تذكّر دائماً أن طهارة الظاهر بلا نَقاءِ الباطن مجردُ وضوءٍ عابِر، وأن المحبة هي الوضوءُ الأكبر الذي يفتح أبواب القبول قبل أن ينزلَ الماءُ على الكفين.
طهّر قلبك، اغسل روحك من الأحقاد، ثم أقم الصلاة.