يتشابه البشر على امتداد الأرض، وإن اختلفت البيئات واللغات، ومُحرّكات الصراع بينهم.
يذهب نتنياهو للانتخابات عاريًا من كل ما تاجر به قديمًا، يُدافع عن إرثه وأسطورته الخاصة، فيما يُهيّئ لناخبيه أنه ينتصر للدولة، ويُنافح عن وجودها ومصالحها العُليا.
وزعيم الليكود نموذج وحالة، يُمكن أن تقع على مُعادلٍ له فى بلدٍ آخر، وفى قضية أخف حِدّة من المسألة الفلسطينية، وجرائم أقل وطأة من الاحتلال والإبادة الجماعية.
وفى الأخيرة، ربما تختلف الآراء، ويساوى تيّار من المُختلفين بين الأشرار، مهما تفاوتت أفعالهم وانعكاساتها على الضحايا.
انشغلت طويلاً بخطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية على منصّة الأمم المتحدة. والحق، أننى رأيت مثالاً يكاد يُطابقه على مرمى حجرٍ مِنّى!
يسيرُ الزمن للأمام بالناس جميعًا، لكن البعض لا يبرحون الماضى نفسيًّا، ويزيد فريقٌ بأن يُبقى عينيه على القديم، وأحيانا يُجرجره معه قهرًا للحاضر، بلا قابليّةٍ لتكراره، أو مقدرة على تجاوزه والتحرّر منه.
عُقدة مَرضِيّة، تستوجب التشخيص ثم العلاج، بإقرار واقتناع، وليست المُكابرة، والإغراق فيها بتوهُّمٍ كاملٍ إلى المُنتهى!
يصل دائمًا من يعرف الطريق، ويُحسِن قراءة الخرائط، ولا يهزر فى موضع الجد، أو يرتجل فيما يحتاج للتخطيط.
وإن عرفت الوصفة، فأنت قادر على مُحاكاتها بالكيفية ذاتها مرّة بعد أُخرى، وعلى أن تُتقن طبختك عند مستوى ثابت.
أمّا أن تنجح فى مُحاولة، وتُخفق فى اثنتين، فسيكون نصيبك من الفشل ضعف النجاح، ولن يكون بمقدورك أن تدّعى أبوّة طفلٍ وتنكر بقيّة الثلاثة!
يصعب وقتها على أعتى الكذّابين ادّعاء أنه شيخ الطريقة، أو أنه يقبض على الحرفة مُنفردًا، ويُجيد اختراع الأشياء من العدم.
تكشف الأفعال ما سُتِر بالمصادفة وعلوّ الصوت، ويتهاوى الكلام سريعا، ولا يطول الوقت على المُريدين قبل أن يكتشفوا أنه «مش تحت القبّة شيخ» ولا مَن يحزنونَ.. وأن «المقامات فارغة» تمامًا!
مأزق الإنسان هُنا، أنه يتعرّض لضربة قاتلة فى شرعيّته المُدّعاة، وفى سردية وجوده بين الناس.
إن كُنت قادرًا فأقم الحجة بالتكرار. أما لو عجزت، فلست صاحب الأولى أيضًا. وهكذا تُلخّص القصة فى النجاح مرّة، ثم الحياة عليها لاحقا، والاستماتة فى الدفاع عنها بكل السُّبل.
دفاع عن الماضى، لا بناء فى الحاضر أو سعى إلى المستقبل. إنه الانفصال عن العصر فى أشدّ صوره جمودًا وفداحة، بينما يُؤسِّس المُنفَصِل حجّته على أنه يرى ما لا يراه الغابرون!
وأكثر الناس بؤسًا، مَن يُضطرّون لإنفاق طاقتهم، وإرهاق الآخرين معهم، للقتال على سيرةٍ، قد تكون مليئة بالثقوب أصلاً!
أُحبّ المعارك بطبعى، وأتحمّس لخوضها، إنما لا أميل إلى الخفيف الساذج منها، ولا أتعاطف مع الذين لا يأخذونها بحقّها، أو ينزلقون إليها بدون استعداد.
الصراع أصل الحياة، وبه تتقدّم البشرية للأمام، لا بالرومانسية البيضاء أو الرمادية التى تدّعى السماحة والسلام. على أنه لا يُحبّذ أن تكون مجّانية، ولا لأغراض شخصية، أو من الأطراف الخطأ.
نظرية التطوّر عبارة عن صراعات مُركّبة ومتوازية. نشأة المجتمعات وتطوّرها، وصعود الممالك وسقوطها. الجدل الذى يختزن ثغراته بداخله، كما لخّصه هيجل، فلا تفقد الأفكار قدراتها الديناميكية.
والحركة ستُولّد طاقةً فى كل الأحوال، إنما كى تكون مثمرة فعلاً، ولا تتبدّد أو تضيع فى الفراغ، يتعيّن التقاطها بأنسب الوسائل، وأن يتوافر موصّل جيّد لها، ولا تُوجّه فى المسار الخطأ.
وباب الصحّة أن يُعهَد بالأشياء إلى أهلها، وأن تعلو الكفاءة على كل المعايير، ولا يُخلّى السبيل للذئاب أن تدّعى حراسة الحملان، ولا للعواهر أن يتحدّثن عن الشرف!
تتضرّر القضايا العادلة مِن حديث الظالمين عنها. مثلما أُضيرت فلسطين بالاحتلال مرّة، وبالاستتباع والتجارة الأصولية مرّات.
لن تعود الحقوق من تلقاء نفسها قطعًا. ربما تقترب من أصحابها مع الوقت، لكنها ستبتعد ولن تأتى أبدًا لو تصدّر لها الظالمون وأهل الهوى.
لا تتحدث عن الحق إن كُنت مُنتفعًا بالباطل، ولا عن العدالة طالما أن لك مع الظلم سوابق، وفى كل الأحوال لا تندفع نحو معارك علنيّة على تلك القيم.
كان خطاب نتنياهو على المنصة الأُمميّة موجّها للداخل، وتحديدًا لعصابته اليمينية. ويُمكن أن يجد صدى بينهم، أو يكون مُقنعًا لفئات منهم، لكنهم جميعًا مُجرمون وفى حظيرة واحدة من الأساس.
تنخدع بعض قاعدته، ويتواطأ البعض، ويعرف حلفاؤه المُقرّبون أنه كاذب، وهو أعلم منهم بذلك.. غير أنه كلّما نجا من فضيحة، يتعاظم غروره، ويُقبل على غيرها بذاكرة الفئران.
يملك الصهيونى العجوز من الوقاحة ما يكفى للحديث عن أشياء يفتقدها تمامًا، وإنكار جرائم موشومة على جبينه، وانتحال مواقف وشعارات ومشاعر لا تليق مع أمثاله من النازيين والمخابيل.
كثيرون مثل «بيبى» فى مشارق الأرض ومغاربها. غير أن الناس ليسوا مُجبرين فى كل حالة على أن يكونوا صهاينة سفاحين، أو ضحايا فلسطينيين.
إذ يُمكن أن يستهجنوا كل سلوكٍ فجٍّ، وأن يَهجوا المُتنطّعين وتجّار الشعارات، ويقتصّوا منهم بكل السبل الممكنة، وأدناها الوَصْم والتعرية والاستهزاء.